الصحافة _ كندا
في زمن تتضخم فيه الخطابات العصماء، وتتنافس فيه البلاغات البتراء، ابتغاء اجتذاب الانتباه، يختار بعض الفاعلين سبيلا مختلفا، وطريقا يقوم على الاقتصاد في الكلام، والاستثمار في الرمز، وهذا النموذج يعكس تجربة عبد اللطيف حموشي، المدير العام لإدارة الأمن الوطني، حيث يعكس تدبيره للعملية الاتصالية التواصلية داخل الدولة المغربية نموذجا يستحق النظر والقراءة، ليس فقط من زاوية الأداء المؤسساتي، بل من زاوية أعمق تتعلق بالامتداد التاريخي لأنماط اشتغال الدولة نفسها.
في تخليد الذكرى السبعين لتأسيس المديرية العامة للأمن الوطني، يوم أمس الأحد، لم يكن الحدث مجرد احتفال مؤسساتي، بل لحظة كثيفة الدلالات، تكشف عن طريقة خاصة، وأسلوب في التواصل يعتمد على ما يمكن تسميته بـ”بلاغة الصمت” دون التفريط في الرمز المنفتح على قراءة من زوايا متنوعة ومتباينة.

لقد بدا حموشي في مختلف تفاصيل الحفل، لا يراهن على الخطابة، ولا على إنتاج خطاب لفظي مفرط، بل اشتغل على لغة أخرى: لغة الإشارة، الحركة، الصورة، والطقس.

هذا الاختيار ليس اعتباطيا من أحد رجالات الدولة، بل يتطلب غلغلة الفكر وتدقيق النظر في فهم الدولة المغربية لوظيفتها التواصلية، فبدل أن تقدم الدولة نفسها عبر خطابات مباشرة قد تُستهلك بسرعة، تفضل أن تبني سرديتها من خلال ممارسات رمزية تتسلل إلى الوعي الجماعي وتترسخ فيه.
وهنا نعطي مثالا، حين يعانق المدير العام للأمن الوطني أسلافه من المديرين الخمسة، وحين يشرف بنفسه على توسيمهم، ويعانقهم عناقا حارا، بل يعيد العناق مرة بعد مرة، فإن الأمر لا يتعلق بفضيلة الاعتراف “La reconnaissance” بل يتجاوز البروتوكول إلى إعادة إنتاج ذاكرة المؤسسة، وإلى تثبيت فكرة الامتداد الزمني التاريخي بين الأجيال.
هنا والآن، يتحول التواصل إلى أداة لإعادة كتابة التاريخ داخل الحاضر، والماضي هنا لا يتم استدعاؤه من بوابة النوستالجيا والحنين، بل باعتباره عنصرا فاعلا في تجدد الشرعية وتجديد المشروعية والأفق هو استمرار الدولة.
إن الاحتفاء بالمديرين السابقين لا يعني الاعتراف فقط، بل يعني أيضا إدماجهم في سردية مستمرة تجعل من المؤسسة كائنا حيا دون أن يخلق (يبلى)، ويتطور دون أن ينقطع عن جذوره، وهذا النمط من التواصل يعيد تعريف العلاقة بين الدولة والمجتمع من خلال علاقات قائمة على إشارات مشتركة تستدعي المخزون الثقافي والاجتماعي للمغاربة: العناق، التكريم، الطقوس…الخ، كلها عناصر تنتمي إلى الثقافة المحلية، وتمنح الفعل المؤسساتي بعدا إنسانيا يقربه من المتلقي.
بهذا المعنى، يشتغل حموشي ضمن تقليد مغربي عميق، يقوم على ربط الفعل السياسي والأمني بالتاريخ، ذلك أن الدولة المغربية، منذ نشأتها لم تكن تبني شرعيتها فقط على القوة أو القانون، بل أيضا على حياة الذاكرة وفعل التراكم، وهذا ما يفسر أن كل ممارسة رمزية، مهما بدت بسيطة، تحمل في طياتها امتدادا تاريخيا يتجاوز اللحظة الراهنة.
كما يكشف إشراكه لمؤسسات متعددة في الحفل، ومن بيننها الجيش، القضاء، الاستخبارات الخارجية، في لحظة توزيع الأوسمة، عن تصور تواصلي قائم على فكرة “الأمن المشترك” أو أن الرسالة التي أراد حموشي إرسالها للخارج كما الداخل أن الأمن مسؤولية الجميع، الأمن شراكة وليست شركة.
هذا النوع من التواصل، الذي يركز عليه حموشي في سياسته التواصلية، والذي يعتمد على الرموز بدل الكلمات، يجد جذوره في التاريخ السياسي المغربي، حيث كانت السلطة تمارس عبر طقوس وإشارات أكثر مما تمارس عبر النصوص، وذلك انطلاقا من البيعة إلى المواسم، ومن المراسيم إلى البروتوكولات، حيث ظلت الدولة المغربية تستثمر في (التمثيل الرمزي) باعتباره وسيلة لضبط المجال السياسي والاجتماعي.
في هذا السياق، يمكن فهم أسلوب حموشي باعتباره امتدادا حديثا لهذا التقليد، لكن بأدوات معاصرة، فهو لا يعيش داخل الماضي، بل يعيد صياغته داخل شروط جديدة، وسياقات متجددة، حيث تتداخل الصورة مع الإعلام، ويتحول الفعل الرمزي إلى رسالة موجهة ليس فقط للداخل، بل أيضا للخارج.
وحين ينجح جهاز أمني في تقديم نفسه كفاعل منظم ومنضبط ومتشبع بقيم الاستمرارية، فإنه لا يخاطب المجتمع وحسب، بل يبعث أيضا برسائل إلى الشركاء الدوليين، ولهذا لاحظنا أن حضور مسؤولين دوليين في الاحتفال (ومنهم مسؤول الإنتربول)، وتثمينهم لتجربة المغرب، يعكس هذا البعد الخارجي للتواصل، حيث يتحول الأمن إلى لغة دبلوماسية ناعمة.
وبناء على ذلك، فإن قراءة تجربة المدير العام للأمن الوطني لا ينبغي أن تقتصر على بعدها الأمني، بل يجب أن تُدرج ضمن تحليل أوسع لطبيعة الدولة المغربية، التي تشتغل بمنطق الاستمرارية والتكيف في آن واحد، ما دام التواصل هنا ليس مجرد أداة، بل جزء من استراتيجية شاملة تهدف إلى ترسيخ الثقة، وتعزيز الشرعية، وإعادة إنتاج الدولة في وعي المجتمع.
إن ما يقوم به المدير العام، في جوهره، هو تحويل الأمن من وظيفة تقنية إلى ثقافة مجتمعية، ومن جهاز إداري إلى حامل لسردية وطنية، وهذه السردية لا تُبنى بالكلمات، بل بالتراكم الرمزي، وبالقدرة على ربط الحاضر بالماضي، والفعل اليومي بالامتداد التاريخي.
يمكن القول إن “بلاغة الصمت” التي يعتمدها حموشي في سياسته التواصلية، ليست غيابا للكلام، بل حضورا مكثفا للمعاني والرموز، إنها تعبير عن دولة تتمتع بمخيال رمزي مكثف تحدث عنه الدارسون في السوسيولوجيا والأنثربولوجيا والتاريخ من زوايا ومقاربات مختلفة وظل عصيا على الفهم الدقيق، والسبب أن سلطة الرمز تظل متمنعة على الإحاطة بالمعاني كما النصوص والخطابات والبلاغات.
حموشي لا يتكلم كثيرا.. لكنه يقول كل شيء!!
المصدر: الشعاع الجديد














