الصحافة _ كندا
بقلم عبدالرحمان عدراوي
أُعلِن رسميًا اليوم، 19 ماي 2026، عن عودة المغرب مجددًا إلى أسواق الدين الدولية، عبر اقتراض جديد بقيمة 2.25 مليار يورو، في خطوة تُضاف إلى مسار مالي يزداد ثقلاً عامًا بعد عام، ويضع مزيدًا من الأعباء على ميزانية الدولة وعلى الأجيال المقبلة.
فالدولة اقترضت هذه المرة مبالغ ضخمة تمتد آجال سدادها إلى سنوات طويلة، إذ سيُسدَّد جزء منها سنة 2034، بينما يمتد الجزء الآخر إلى سنة 2038، بما يعني عمليًا أن كلفة قرارات اليوم ستظل تلاحق مالية البلاد لسنوات قادمة.
ورغم اللغة التقنية التي تُقدَّم بها مثل هذه العمليات، وما يُرفَق بها من حديث عن “تحسين شروط التمويل” و”ثقة المستثمرين”، فإن الحقيقة الجوهرية تبقى واضحة:
المغرب يستدين مرة أخرى، والدَّين العمومي يواصل الارتفاع بوتيرة تثير القلق.
لقد بلغ حجم الدين العمومي مستويات تقارب 1200 مليار درهم، ومع ذلك ما تزال الدولة تعتمد على مزيد من القروض لتمويل المشاريع الكبرى، وتغطية النفقات الإضافية، والحفاظ على التوازنات المالية، ومواصلة الإنفاق العمومي.
المسألة لم تعد مرتبطة باللجوء الظرفي إلى الاقتراض، فذلك أمر قد تلجأ إليه مختلف الدول عند الحاجة، بل بما يبدو وكأنه تحوّل تدريجي للاستدانة إلى أداة شبه دائمة في تدبير الشأن المالي للدولة.
كلما اتسعت الالتزامات، ارتفع حجم القروض.
وكلما تضخمت النفقات، جرى البحث عن تمويل جديد عبر الأسواق الدولية.
وكلما ضاقت الهوامش المالية، تم ترحيل العبء إلى المستقبل.
وهنا يبرز سؤال ثقيل لا يمكن تجاهله:
أين تكمن العبقرية الاقتصادية للحكومة إذا كانت إدارة الدولة تقوم أساسًا على المزيد من الديون والمزيد من الاقتراض؟
فنجاح الحكومات لا يُقاس بحجم ما تقترضه، بل بقدرتها على بناء اقتصاد قوي قادر على إنتاج الثروة، ورفع المداخيل، وتوسيع القاعدة الإنتاجية، وتمويل المشاريع دون الارتهان المستمر للدائنين والأسواق المالية الدولية.
الأخطر من ذلك أن كلفة هذه الاختيارات لن تتحملها الحكومة الحالية وحدها، بل ستنتقل تدريجيًا إلى الأجيال القادمة، التي ستجد نفسها مطالبة بسداد ديون لم تشارك في صناعتها.
فالديون لا تنتهي بمجرد الحصول على الأموال، بل تتحول مع مرور الوقت إلى فوائد متراكمة، وضغط متزايد على الميزانية، وتراجع في قدرة الدولة على تمويل القطاعات الحيوية كالتعليم والصحة والحماية الاجتماعية والاستثمار المنتج.
ومع كل قرض جديد، يصبح جزء إضافي من ميزانية المستقبل مخصصًا لسداد التزامات الماضي.
لهذا لم يعد السؤال الحقيقي متعلقًا فقط بحجم المبلغ الذي اقترضه المغرب اليوم، بل بالنموذج الاقتصادي الذي يُدار به البلد:
إلى متى ستستمر الدولة في تمويل حاجياتها الأساسية عبر الاستدانة؟
وكم سيبقى المستقبل قادرًا على تحمّل أعباء حاضر لا يتوقف عن الاقتراض؟














