الصحافة _ كندا
قد نشر مركز ستيمسون الأمريكي للأبحاث مؤخرًا تقريرًا عن المغرب بعنوان “تقرير السياسة القطرية للمغرب” (مايو 2026).
يُقدّم التقرير تقييمًا طموحًا لوضع المغرب كقوة صاعدة على الصعيدين الإقليمي والدولي. ويُحلّل العوامل السياسية والدبلوماسية والاقتصادية والصناعية والأمنية التي مكّنت المملكة من ترسيخ مكانتها كلاعب أساسي وشريك موثوق به للقوى العالمية الكبرى، فضلًا عن تميّزها باستقرارها وازدهارها في منطقة من العالم تُعاني من تقلبات التوترات السياسية وانعدام الأمن.
جريدة الصحافة الإلكترونية تسرد النقاط الرئيسية التالية للتقرير:
1. تحوّل صناعي وطاقي كبير
شهد المغرب تحوّلًا ملحوظًا نحو الإنتاج الصناعي ذي القيمة المضافة العالية. واليوم، يُعدّ المغرب رائدًا في صناعة السيارات في أفريقيا، جاذبًا استثمارات دولية ضخمة من خلال إنشاء مناطق تجارة حرة وأنظمة بيئية متكاملة (للسيارات، والفضاء، والإلكترونيات).
في قطاع الطاقة، ترسخ المغرب مكانتها كدولة رائدة في التحول الأخضر بفضل تسريع مشاريعها لإزالة الكربون وإنتاج الهيدروجين الأخضر. علاوة على ذلك، يُظهر توقيعها مؤخرًا على إعلان باريس بشأن تمويل الطاقة النووية التزامها باستكشاف الطاقة النووية المدنية لتنويع مزيج الطاقة لديها بشكل مستدام على المدى الطويل.
2. أداء اقتصادي كلي وبنية تحتية عالمية المستوى
بفضل مشاريع البنية التحتية الضخمة (مثل مجمع ميناء طنجة المتوسط) وانتعاش القطاع الزراعي، قفز الناتج المحلي الإجمالي الحقيقي للمغرب إلى 4.9% في عام 2025 (مقارنةً بـ 3.2% في عام 2024)، مع توقعات قوية بنمو قدره 4.4% في عام 2026.
وقد تم التحكم بالتضخم ببراعة، حيث انخفض من 6.1% في عام 2023 إلى 0.8% في عام 2025، مما مكّن البنك المركزي (بنك المغرب) من الحفاظ على سياسة نقدية مستقرة. كما عززت كفاءة استثماراتها في مجال الخدمات اللوجستية بشكل كبير من ارتباطها بسلاسل القيمة العالمية. فيما يلي النقاط الرئيسية التي أبرزها التقرير حول هذا الموضوع:
3. انتصار دبلوماسي ومتعدد الأطراف هام بشأن قضية الصحراء الغربية
يصف التقرير التطورات الأخيرة المتعلقة بقضية الصحراء الغربية بأنها “انتصارات متعددة الأطراف هامة” للرباط. ويسلط الضوء بشكل خاص على ما يلي:
أ. التكامل الإقليمي والجغرافي في ظل التنمية الاجتماعية والاقتصادية المتسارعة في الأقاليم الجنوبية
من حيث الوصف الجغرافي وبنية البلاد، يدمج التقرير المنطقة بشكل كامل في التكوين الإقليمي العام للمملكة.
يشير التقرير إلى أن إجمالي مساحة المغرب تبلغ 710,850 كيلومترًا مربعًا، موضحًا صراحةً أن هذه المساحة تشمل كلاً من الأراضي الشمالية والأقاليم الجنوبية (الصحراء).
يتم تحليل الخصائص الجغرافية لهذه المنطقة (المناخ الصحراوي، والإجهاد المائي، ودرجات الحرارة القصوى) جنبًا إلى جنب مع خصائص المناطق الأخرى في تقييم التحديات المناخية العامة التي تواجه البلاد.
على الصعيد المحلي، يتناول التقرير قضية الصحراء من منظور التكامل الإقليمي. يصف مركز الأبحاث الأقاليم الجنوبية بأنها ليست هامشية، بل امتداد رئيسي لسياسة الدولة في مجال الأشغال العامة:
بنية تحتية لوجستية متطورة: على غرار نموذج طنجة المتوسط الناجح في الشمال، تستثمر الدولة مبالغ طائلة لتزويد الجنوب بمراكز لوجستية (لا سيما مشروع ميناء الداخلة الأطلسي الضخم). والهدف هو ربط هذه الأقاليم مباشرة بأسواق أفريقيا جنوب الصحراء الكبرى وأمريكا اللاتينية، وتحويل المنطقة إلى جسر تجاري حقيقي.
التحول نحو الطاقات المتجددة: يشير التقرير إلى أن الأقاليم الجنوبية تقع في صميم استراتيجية المغرب ليصبح رائداً عالمياً في مجال الهيدروجين الأخضر والطاقة النظيفة. وبفضل مواقعها المتميزة (الطاقة الشمسية وطاقة الرياح)، تستضيف هذه المناطق مشاريع صناعية كبرى لإزالة الكربون، تجذب رؤوس الأموال الأجنبية.
التكامل والخدمات العامة: يتم تحليل تطوير البنية التحتية للطرق (مثل الطريق السريع تيزنيت-الداخلة) وتوسيع شبكات الأمان الاجتماعي (التغطية الطبية الشاملة، والمشاريع الرامية إلى الحد من التفاوتات الإقليمية) باعتبارها محركات للتكامل الاجتماعي والاقتصادي، مما يساهم في تحسين مؤشرات التنمية البشرية المحلية.
ب. نجاح “الدبلوماسية التبادلية” / تعزيز الاعتراف الدولي والدعم القوي لخطة الحكم الذاتي
يحلل التقرير استراتيجية المغرب الدولية من منظور “التبادلية الاستراتيجية”. وقد أصبح دعم سيادتها على الصحراء حجر الزاوية والمنظور الذي تُؤسس من خلاله المملكة شراكاتها الاقتصادية والأمنية مع القوى العالمية والأوروبية الكبرى، أو تُحدد شروطها، أو تُعيد تعريفها.
وبالتالي، يؤكد مركز الأبحاث أن السياسة الخارجية المغربية، التي تُمارس بانضباط ودقة تحت قيادة الملك محمد السادس، قد أعادت تشكيل البنية الاستراتيجية للمغرب العربي بشكل جذري. ويُسلط التقرير الضوء على النقاط التالية:
أثر اتفاقيات إبراهيم: يُشير التقرير إلى أن اعتراف الولايات المتحدة عام 2020 شكّل نقطة تحول تاريخية. وبدلًا من أن يفقد هذا الزخم، فقد تعزز على مر السنين، ما دفع العديد من القوى الأخرى إلى توضيح مواقفها أو مواءمتها مع موقف الرباط.
محور القوى الأوروبية: يُقرّ تقرير المعهد بأن دعم خطة الحكم الذاتي المغربية (المقترحة عام ٢٠٠٧) بات يُعتبر، من قِبل شريحة متنامية من المجتمع الدولي، الأساس الواقعي والجاد والموثوق الوحيد لحل هذا النزاع بشكل نهائي. وقد أيدت دول أوروبية كبرى (مثل إسبانيا وألمانيا، ومؤخرًا فرنسا) رسميًا هذه الخطة، مما عزل جبهة البوليساريو وأنصارها على الساحة الدولية.
تعزيز الشرعية في الأمم المتحدة: يُشير التقرير إلى تطور قرارات مجلس الأمن الدولي، التي تُقرّ بشكل متزايد بأهمية المبادرات المغربية في العملية السياسية.
٤. مقارنة “المعاملاتية الاستراتيجية” / تحليل مقارن للمواقف المغربية والجزائرية
يُقارن التقرير بشكل مباشر بين المبادئ الدبلوماسية للبلدين:
من جهة، يُطبّق المغرب بنجاح مبدأ “المعاملاتية الاستراتيجية”. في ظل قيادة الملك محمد السادس، تمكنت الرباط من ربط مصالحها الأمنية والإقليمية (لا سيما فيما يتعلق بقضية الصحراء الغربية) بشراكات اقتصادية ملموسة ومتبادلة المنفعة مع القوى الكبرى (الولايات المتحدة، ودول الاتحاد الأوروبي، ودول الخليج).
من جهة أخرى، يُنظر إلى الجزائر على أنها لا تزال عالقة في نهج دبلوماسي تقليدي، موروث من الحرب الباردة، يكافح للتكيف مع واقع العلاقات الدولية الجديد. ويساهم هذا التصلب الأيديولوجي في انفصال الجزائر التدريجي عن مراكز صنع القرار العالمية الرئيسية.
أ. الأثر المضاعف لدعم خطة الحكم الذاتي المغربي
يتجلى عزلة الجزائر بوضوح في المواقف المتغيرة للدول الأوروبية والأفريقية بشأن قضية الصحراء الغربية. ويشير التقرير إلى أن الدبلوماسية الجزائرية قد عانت من انتكاسات خطيرة مع تحول دعم الفاعلين الرئيسيين إلى المغرب:
التحول الأوروبي: اعترف الشركاء الاقتصاديون والطاقيون التاريخيون للجزائر، مثل إسبانيا وألمانيا وفرنسا، رسميًا بخطة الحكم الذاتي المغربي باعتبارها الأساس الواقعي الوحيد للتسوية. يشير التقرير إلى أن محاولات الجزائر استخدام نفوذها في مجال الطاقة (الغاز) للضغط على هذه الدول أو معاقبتها (كما جرت المحاولة مع مدريد) قد باءت بالفشل إلى حد كبير، مما أضر بسمعتها كشريك مستقر دون أن يُغير المسار الدبلوماسي.
الديناميكية الأفريقية: يُظهر الافتتاح المتتالي لعشرات القنصليات العامة للدول الأفريقية والعربية في العيون والداخلة، وفقًا للتقرير، تراجعًا واضحًا في نفوذ محور الجزائر-البوليساريو داخل الاتحاد الأفريقي وفي القارة الأفريقية.
ب. موقف دفاعي في مواجهة التحالفات الأمنية المغربية
يسلط تقرير مركز ستيمسون الضوء على قلق الجزائر الجيوسياسي إزاء اندماج المغرب في شبكات الأمن العالمية الجديدة.
تنظر الجزائر إلى ترسيخ اتفاقيات أبراهام وتعزيز التعاون الأمني والعسكري بين المغرب وإسرائيل على أنه تطويق استراتيجي.
بدلاً من الرد بانفتاح تحالفاتها أو تنويعها، تراجعت الجزائر إلى موقف دفاعي، فزادت ميزانيتها العسكرية بشكل كبير وركزت على علاقتها الوثيقة مع روسيا، وهو تحالف بات من الصعب استغلاله دبلوماسياً في الساحة الدولية الراهنة.
ج. حصان التكامل المغاربي
أخيرًا، يؤكد التقرير أن قطع العلاقات الدبلوماسية (الذي بدأته الجزائر عام ٢٠٢١) وإغلاق الحدود والمجال الجوي يُبقي المغرب العربي في حالة من التشرذم التام. في هذا السياق من عدم التعاون، تبدو الجزائر الأكثر انفصالاً عن التدفقات الاقتصادية الإقليمية الرئيسية، بينما تمكن المغرب من تجاوز هذا الانسداد من خلال تقديم نفسه كمركز لوجستي وبحري أساسي يربط أوروبا بأفريقيا جنوب الصحراء الكبرى (لا سيما عبر ميناء طنجة المتوسط وميناء الداخلة الأطلسي المستقبلي).














