الصحافة _ كندا
لم يعد الحديث عن “البيت الخليجي المتماسك” سوى شعارٍ مستهلك، تُكذّبه الوقائع المتراكمة والتوترات المتصاعدة بين عواصم يفترض أنها حليفة. فمع نهاية ما يمكن تسميته بـ“شهر العسل الخليجي”، تطفو على السطح خلافات عميقة لم تعد قابلة للإخفاء أو التجميل الدبلوماسي.
أولى هذه التصدعات تتجلى في تصاعد الخلافات بين الرياض وأبوظبي، شريكي المحور الاقتصادي والسياسي في المنطقة. فالتباين لم يعد محصورًا في وجهات النظر، بل امتد إلى ملفات حساسة تشمل النفوذ الإقليمي، السياسات الاقتصادية، وإعادة رسم موازين القوة داخل الخليج. صمت البيانات الرسمية لا يلغي حقيقة أن منسوب الثقة تراجع، وأن التنافس بات يطفو على حساب التنسيق.
في السياق ذاته، يبرز توتر غير مسبوق بين الكويت والسعودية، وهو توتر يثير القلق أكثر مما يثير الجدل، بالنظر إلى خصوصية العلاقة التاريخية بين البلدين. خلافات حول ملفات حدودية واقتصادية عادت إلى الواجهة، ما يطرح سؤالًا جوهريًا: هل ما زالت آليات مجلس التعاون قادرة على احتواء الخلافات، أم أنها تحولت إلى هياكل شكلية بلا تأثير فعلي؟
أما على الجبهة الإعلامية، فيتفاقم القلق من تصاعد الأزمات بين الدوحة والمنامة، حيث عادت الحملات المتبادلة لتغذي مناخ الشك وتؤسس لقطيعة ناعمة، لكنها خطيرة. الإعلام، الذي يفترض أن يكون جسرًا للتقارب، تحول مجددًا إلى ساحة تصفية حسابات سياسية، تعكس عمق الخلاف أكثر مما تصنعه.
المقلق في المشهد الخليجي اليوم ليس فقط تعدد بؤر التوتر، بل غياب الإرادة الجماعية لمعالجة الأسباب الحقيقية للأزمات. فبدل المصارحة والمراجعة، يتم اللجوء إلى التهدئة المؤقتة، في انتظار انفجار جديد قد يكون أعنف.
إن استمرار هذا المسار يهدد بفقدان ما تبقى من الثقة داخل المنظومة الخليجية، ويفتح الباب أمام تدخلات خارجية لطالما انتظرت لحظة الانقسام. فهل تعي العواصم الخليجية خطورة اللعب على حافة الهاوية؟ أم أن نهاية “شهر العسل” ليست سوى بداية لمرحلة أكثر اضطرابًا وصدامًا؟














