جريدة الصحافة الإلكترونية _ كندا
بقلم : مدير الجريدة عبدالرحمان عدراوي
شهادة التميز التي حصل عليها مستشفى الشيخ خليفة بمدينة الدارالبيضاء مؤخرا هي شهادة في نظرنا مستحقة، وتأتي تكريما لجهود المئات من العمال والموظفين والأطر الطبية داخل هذا المستشفى، الذين يشهد لهم القاصي والداني بأنهم على مستوى عالي من الكفاءة في مجال التطبيب.

خلال زيارتي للمغرب نهاية السنة الماضية، توجهت من المطار الى ذات المستشفى الذي كانت ترقد به والدتي في جناح العناية المركزة، وقمت بعد ذلك بزيارتها عدة مرات على مدى خمسة أيام، وما يتضمنه هذا المقال إنما هو صرخة في وجه الجانب المظلم للمستشفى، الذي لم يتجرأ أحد الى حدود اليوم الخوض فيه، او التكلم عنه على وسائل الإعلام ببلادنا.
كانت والدتي في حالة صحية حرجة جدا، ولم تكن تقوى على الكلام، وخلال إمساكي بيدها لاحظت علامات زرقاء تغطي يدها بشكل كبير، وعندما سألت عن السبب، قيل لي لأنها كانت تقوم من سريرها، وخشية أن تقع على الأرض فيتحمل الفريق الطبي المسؤولية في إصابتها، تم ربطها مع السرير، ثم قيل لي انها كانت تنزع الإبر الملصقة بيدها والتي تمدها بالدواء والغذاء، ولذلك قاموا بربطها بطريقة جعلت يدها تكتسي الوانا تشبه تلك التي تظهر على جسد تعرض للتعذيب.

أصابني نوع من الانهيار الداخلي كون هاته الأمور كانت تحكى على أساس أنها عادية، وبأن الوالدة عليها أن تدفع ثمن رغبتها في النزول من السرير، وبأن عليها القبول بهذا النوع من الإرهاب النفسي في التطبيب، فيما صرح مسؤول بالمستشفى على أن ذات المعاملة واجبة في مثل هاته الحالات، من اجل ضمان تطبيب فعال.
تذكرت حينها عددا من الأفلام الامريكية التي يعتقل فيها أشرس المجرمين، الذين يتم إحضارهم الى المحاكم مكبلين بالسلاسل، وتذكرت كيف أن السلطات القضائية والأمنية تولي أهمية بالغة على ترك مجال فارغ بين قرص السلاسل الذي يكون حول اليد أو الرجل، من أجل تفادي إصابة المجرم، وإلحاق الضرر بجسده، فحتى الإدانة والغقاب لا يسمحان بالتسبب في كدمات من أي نوع وأي لون على جسد الإنسان، فكيف تم التطبيع في بلدنا مع إعتداء إجرامي على جسد إنسان أثناء التطبيب !
بعد أيام، بدأت حالة والدتي تتحسن، ويدأت تتكلم بشكل بطيء، اغتنمت الفرصة لأعرف منها ما حدث، فأشارت لي على ممرض داخل المستشفى، وصفته بأنه مقيت، وبأنه هو من يربطها مع السرير بشكل يفقدها القدرة على الحركة، وكلمتني عن ممرضة تشتغل بالمساء، كانت تحسن معاملتها، وتهون عليها من الإرهاب النفسي الذي تعيشه خلال النهار مع ذلك الممرض.
بينما كنت أزورها ذات يوم، دخل علينا ذاك الممرض، الذي أرهب والدتي طوال مقامها بجناح العناية المركزة، كانت والدتي تتكلم معي بكل أريحية، وكنا نستحضر بعض الحكايات المضحكة، حتى ظهرت الابتسامة على وجهها، وما إن رأته، حتى توقفت عن الكلام، وتغيرت ملامح وجهها، لينطلق الرجل معها في كلام وكأنه يتكلم مع مختلة عقليا، وفيما يلي نص الحوار :
“اهلا الرمامتي، عقلتي عليا ؟ شكون أنا ؟ ما عرفتينيش ؟ ياك الصباح ناديتي علي باسمي..لم ترد عليه والدتي ولو بكلمة واحدة، واكتفت بالنظر اليه نظرة اشمئزاز، استشعر الرجل مدى خطورة أفعاله الإرهابية التي مارسها على والدتي، وقال لي، لقد انتهى وقت الزيارة عليك بالخروج”.
موعد الزيارات مخصص لأهالي نزلاء قسم العناية المركزة بين الثانية عشر والواحدة بعد الزوال، قرار إداري يتم التعامل معه باستهتار كبير، في كثير من الحالات يتم فتح الباب أمام الزوار بعد مرور عشرون دقيقة، وذات يوم انفجر مواطن في وجه الممرضة المكلفة بفتح الباب، فما كانت حجتها إلا أن قالت : كنا منشغلين بإعداد المرضى للزيارات”، عذر أقبح من زلة.
إن التفوق المشهود للدكاترة الجراحين به في المغرب بصفة عامة، وفي مستشفى الشيخ خليفة على وجه الخصوص، تفسد الفرحة به تصرفات بعض الموظفين والممرضين، الذين يفتقدون لأدنى شروط الأهلية للقيام بمهامهم، فالكثيرون يتظاهرون بتقديم الخدمة، بينما هم منشغلون بهواتفهم الذكية، وكثرة اللغو فيما بينهم في أمور تافهة بأعلى أصواتهم على مرأى ومسمع المرضى والزوار.
لقد كانت إقامة والدتي في مستشفى الشيخ خليفة اكثر من مفيدة، استفادت خلالها من رعاية طبية تضمنت إجراء عمليتين جراحيتين ناجحتين، وهي اليوم تتمتع بصحة بدنية ونفسية جيدة، كل هذا كان ممكنا بفضل دكاترة على قدر من الخبرة عالي جدا، وأملنا ان يتطور الجانب الخدماتي ومستوى عمل الممرضين والممرضات، ليساير المستوى العالي للدكاترة ببلادنا.
في آخر ليلة قضتها والدتي بالمستشفى، تم وضعها في غرفة تحت المراقبة، رافقتها أختي تلك الليلة، وبعد منتصف الليل، قامت بمراقبة كيس مخصص للتبول، فوجدت أنه ممتلئ بالكامل، اتصلت بالممرض المسؤول عن والدتي، طلبت منه الحضور لتسأله عن عدم تغيير الكيس، فأجابها أنه سيأمر بتغييره حالا، وهنا يطرح التساؤل الكبير، ماذا كان يحصل مع والدتي في الليالي التسع التي قضتها لوحدها، هل كانت تستفيد من الرعاية الطبية بالشكل الذي يليق، باستثناء العمل الجيد للدكاترة والجراحين ؟ الكدمات التي كانت على يدها، تقول كل شيء.














