الصحافة _ كندا
في خضم الجدل المتصاعد حول غلاء أسعار اللحوم والأضاحي، دخل المشهد السياسي المغربي مرحلة جديدة من التصعيد، بعد أن تباينت الروايات وتضاربت التصريحات بخصوص الدعم العمومي الذي استفاد منه مستوردو الأغنام والأبقار.
راشيد الطالبي العلمي، رئيس مجلس النواب وعضو المكتب السياسي لحزب التجمع الوطني للأحرار، خرج برواية مغايرة لما سبق أن صرح به نزار بركة، الأمين العام لحزب الاستقلال، الذي فجر قنبلة سياسية حين كشف أن 18 مورداً فقط حصلوا على دعم من الدولة بلغ 13 مليار درهم، دون أن يكون لذلك أي أثر يذكر على أسعار الأضاحي أو اللحوم الحمراء خلال السنوات الماضية.
الطالبي العلمي، وفي محاولة لتفنيد رواية بركة، أكد أن عدد الشركات التي استفادت من الدعم بلغ 100 شركة وليس 18، وأن المبلغ الذي ضُخ فعلياً في حساباتها لم يتجاوز 300 مليون درهم، خُصص لدعم أسعار الأضاحي حتى لا تتجاوز سقف 4500 درهم للرأس.
لكن ما زاد الطين بلة هو الرواية الثالثة، التي صدرت عن وزارة الاقتصاد والمالية، والتي أقرت فعلاً بأن مبلغ 13 مليار درهم تم تخصيصه للدعم، لكن ليس على شكل تحويلات مالية مباشرة، بل في صورة إعفاءات ضريبية وجمركية همّت استيراد الأبقار والأغنام، إلى جانب دعم جزافي بمناسبة عيد الأضحى قدره 500 درهم عن كل رأس، كلف خزينة الدولة 237 مليون درهم.
المعطيات الدقيقة التي كشفت عنها جريدة “الأحداث المغربية” تبيّن أن الدولة تحملت ما مجموعه 7.3 مليار درهم من الإعفاءات الجمركية لاستيراد الأبقار، و3.86 مليار درهم لاستيراد الأغنام، بينما بلغت قيمة الدعم المباشر المرتبط بالأضاحي في موسم عيد الأضحى 2024 حوالي 300 مليون درهم.
وبينما تختلف الأرقام وتتنوع زوايا السرد، تتفق جميع المعطيات على أن هذه السياسة، التي كلفت خزينة الدولة مبالغ ضخمة، لم تُثمر النتائج المرجوة، حيث لم تنجح في خفض أسعار اللحوم، ولا في التخفيف من حدة أزمة الأضاحي التي تتكرر كل سنة. فبين عامي 2022 و2024، استفاد 133 مستورداً من إجراءات الدعم، وتم استيراد أكثر من 218 ألف رأس من الأبقار، ومليون و137 ألف رأس من الأغنام، بقيمة إجمالية تجاوزت 5 مليارات درهم.
ورغم هذا الحجم الكبير من الاستيراد والدعم، فإن الأسواق المغربية لم تشهد أي انخفاض ملحوظ في الأسعار، ما يطرح أكثر من علامة استفهام حول نجاعة هذه السياسات. الأرقام تؤكد أن الدعم وُزّع على عدد محدود من المستفيدين، بينما المواطن البسيط لم يلمس أي أثر حقيقي في معيشه اليومي، ما يعزز فرضية أن الدعم ذهب في اتجاه خاطئ.
المثير أن تباين هذه الروايات قد لا يكون فقط صراع أرقام، بل ربما مقدمة لمواجهة سياسية وانتخابية قادمة داخل مكونات الأغلبية الحكومية، بين حزب الاستقلال وحزب التجمع الوطني للأحرار. وفي الوقت الذي يتقاذف فيه القادة السياسيون الأرقام والاتهامات، تبقى الحقيقة الوحيدة أن 13 مليار درهم خرجت من ميزانية الدولة.. دون أن تنزل أسعار اللحوم ولو بدرهم واحد.