شرق أوسط جديد، أشدّ اضطرابًا وأكثر تشتّتًا

7 أبريل 2026
شرق أوسط جديد، أشدّ اضطرابًا وأكثر تشتّتًا

الصحافة _ كندا

دول الخليج، المحاصَرة بين نزعة الهيمنة الإسرائيلية والراديكالية الإيرانية، ترى في النظام الإقليمي الجديد مصدراً للتهديد وزعزعة الاستقرار. هذا وقد تخلّت عنها الولايات المتحدة التي تزداد تهوّراً وانعداماً للمسؤولية يوماً بعد يوم.

تشكّل الحرب على إيران قطيعة كبرى في بنية النظام الإقليمي في الشرق الأوسط. فعلى مدى عقدين، قام الاستقرار الجيوسياسي في الخليج وفي جزء واسع من العالم العربي على توازن هشّ. فمن جهة، برزت إيران، التي تعزّز نفوذها كثيراً بعد حرب 2003 على العراق، ومعها “محور المقاومة” الذي ضمّ حلفاء متعدّدين، من بينهم حزب الله والنظام السوري بقيادة بشار الأسد. ومن جهة أخرى، تشكّلت كتلة محافظة تألّفت أساساً من دول عربية سعت إلى احتواء الطموحات الإقليمية الإيرانية والحفاظ على الوضع القائم بدعم من الولايات المتحدة.

لم يدعُ أيّ من الطرفين إلى الديمقراطية، لكن لم يسعَ أيّ منهما أيضاً إلى سحق الآخر. واكتفى الطرفان بالتعايش مع حرب باردة إقليمية متوتّرة، لكن يمكن التحكّم فيها.

لقد ولّى ذلك العهد. فقد أفضت العملية الأمريكية المسماة “الغضب الملحمي”، التي انطلقت في 28 فبراير/شباط 2026 ضد إيران، إلى مشهد أكثر فوضوية، قوامه سيادات مجزّأة وتحالفات متصدّعة، وهو مشهد مرشّح لأن يستنزف المنطقة لسنوات مقبلة. وقد أثارت الحرب انتقادات مبرَّرة بسبب طبيعتها غير القانونية، وأهدافها الضبابية، والعدوان الصارخ الذي شنّته الولايات المتحدة وإسرائيل؛ فضلاً عن الردود الانتقامية العشوائية وغير المتناسبة التي نفّذها الجيش الإيراني ضد جزء كبير من دول الخليج، ناهيك عن القيود المفروضة على مضيق هرمز، والتي أغرقت أسواق النفط والغاز العالمية في حالة من الاضطراب.

زمن “السلم الإسرائيلية”

عندما تنتهي هذه الحرب، سيواجه الشرق الأوسط الجديد تحوّلات مروّعة.

أولاً، باتت المنطقة تعيش اليوم على وقع “السلم الإسرائيلية”، إذ أصبحت إسرائيل الفاعل العسكري الأقوى بفضل تفوّقها التكنولوجي والدعم الأمريكي غير المشروط. وقد أظهرت إسرائيل قدرة أجهزتها الاستخباراتية على الاختراق، وأثبتت قدرتها على التدخّل بعيداً عن أراضيها وعلى جبهات متعددة في وقت واحد. وهكذا باتت هذه الدولة المتوسطية الصغيرة تهيمن قسراً على سائر دول الشرق الأوسط الأخرى، باستثناء تركيا. والأهم من ذلك أن الحرب على إيران قد حيّدت الجمهورية الإسلامية بوصفها قوة موازنة.

يمتدّ قوس العسكرة الإسرائيلية الآن ليغطّي جزءاً كبيراً من المنطقة. فمنذ اندلاع الحرب على غزة في أكتوبر/تشرين الأول 2023، شنّت إسرائيل عمليات هجومية في فلسطين واليمن وسوريا ولبنان وإيران. وبفضل “اتفاقات أبراهام” عام 2020 مع المغرب والسودان والبحرين والإمارات العربية المتحدة، تضاءل عدد الدول العربية التي لا تزال تعتبر إسرائيل خصماً. وهكذا، ولأول مرة منذ نشأتها، لن تواجه إسرائيل ثقلاً موازناً حقيقياً من أي دولة. وهو نجاح لا جدال فيه بالنسبة لتل أبيب، وهي التي كانت قد حيّدت بالفعل أقوى دولة عربية عام 1979 بتوقيع معاهدة السلام مع مصر. ورغم أن الفاعلين من غير الدول، مثل حزب الله وحماس والحركة الحوثية، لن يختفوا، فإنه لا توجد اليوم دولة في المنطقة قادرة على التصدّي بفاعلية للرؤية التوسعية للحكومة اليمينية الإسرائيلية. وستظلّ القيود الوحيدة المفروضة على قوتها هي تلك التي ترسمها الولايات المتحدة.

كما ستترك هذه التحوّلات آثاراً ثقيلة على العلاقات العربية ـ الإسرائيلية. فبعدما كانت الدول العربية تُستمال وتُدفع إلى التطبيع مع تل أبيب، ستصبح الآن عرضةً للترهيب والتهديد. وقد دشّن القصف الإسرائيلي غير المسبوق لقطر1 في سبتمبر/أيلول 2025 مرحلة جديدة، حيث كشف هذا الهجوم هشاشة إمارات الخليج، لا في مواجهة إيران فحسب، بل أيضاً أمام الافتراس الإسرائيلي والتواطؤ الأمريكي. ومع تراجع خطر طهران، أصبحت إسرائيل تملك الآن القدرة على ترهيب دول الخليج وإكراهها.

وتلوح هنا فرصة فريدة أمام ولي العهد السعودي الأمير محمد بن سلمان، الذي قاوم حتى الآن الضغوط الأمريكية المكثفة لتوقيع اتفاق تطبيع مع إسرائيل. فإذا استمرّ في المقاومة، فقد يرسّخ شرعيته ليس فقط لدى المواطنين السعوديين، بل ولدى جمهور عربي أوسع. وقد يجعل هذا الخيار من بلاده لاعباً إقليمياً محورياً ويضفي شرعية تاريخية على تولّيه العرش، أكثر مما قد يفعله مشروع “رؤية 2030” والمشاريع الكبرى. لكن هل سيكون بن سلمان قادراً على شقّ مسار مستقل وجريء مع الحفاظ على سلطته؟

ثانياً، ألحقت الحرب على إيران ضرراً بالغاً بسمعة الغرب، وخاصة سمعة الولايات المتحدة. تنظر دول الخليج إلى النزاع باعتباره مغامرة أمريكية-إسرائيلية عبثية، لم توافق عليها، لكنها مضطرة إلى دفع ثمن باهظ من حيث الردود الانتقامية، ودمار البنية التحتية، وعدم الاستقرار الاقتصادي. لم تمنع استثماراتها الضخمة في الولايات المتحدة، ولا مشترياتها الهائلة من الأسلحة، واشنطن من التضحية بها على مذبح حسابات استراتيجية عليا والتحالف مع إسرائيل. وهذا ما يؤدي إلى المفارقة التالية: في عصر “السلم الإسرائيلية”، ستكون عقيدة الأمن القومي الوحيدة الكفيلة بضمان سيادة ممالك الخليج هي حيازة السلاح النووي، حتى لو تعارض ذلك مع المصالح الأمريكية.

الولايات المتحدة من “رجل إطفاء” إلى الفاعل الذي “يضرم النار”

يمثّل ذلك بالنسبة إلى الولايات المتحدة انقلاباً جذريًّا، مقارنة بموقفها بعد حرب الخليج 1990-1991، حين كانت تمارس هيمنة أحادية القطب على هذه المنطقة الاستراتيجية، سواء بسبب ثرواتها النفطية والغازية، أو لكونها ممراً تجارياً لهذه الموارد الحيوية للاقتصاد العالمي. وخلال تسعينيات القرن الماضي، دشّنت واشنطن أكبر قواعدها العسكرية في دول الخليج، واعدةً بتعزيز استقرارها وأمنها مقابل اعترافها بأولويتها الاستراتيجية. وقدّمت الولايات المتحدة نفسها آنذاك في صورة “رجل إطفاء”، أي قوة قادرة على احتواء الأزمات الإقليمية والتهديدات، مثل تلك التي يمثّلها عراق عدواني أو إيران توسّعية.

أما اليوم، فيُنظر إلى واشنطن بوصفها الفاعل الذي “يضرم النار”. فقد أضرمت نار الحرب وأطلقت موجةً من الدمار، أوقعت، على نحوٍ مفارق، حلفاءها الخليجيين في دوامة من انعدام الأمن والاضطراب، كانوا يخالون تفاديها عبر التحالف مع واشنطن. وفي المستقبل، سيُبدي قادة الخليج مزيداً من الشكوك إزاء الضمانات الأمنية والوعود الدبلوماسية الصادرة عن البيت الأبيض، وسيواصلون التوجّه شرقاً، وتحديداً نحو الصين، بحثاً عن فرص التجارة والاستثمار. ومع غياب التهديد الإيراني الجوهري للممالك العربية، لم يعد لديهم ما يدعوهم إلى اعتبار الولايات المتحدة حاميهم الوحيد.

ثالثاً، وما لم يحدث تحوّل مفاجئ على الأرض، فقد أدّت الحرب على إيران إلى عكس ما خطّط له مهندسوها في إسرائيل والولايات المتحدة تماماً. فرغم أنها أضعفت القدرات الخارجية للجمهورية الإسلامية، فإنها جعلت النظام أكثر تطرّفاً وقمعاً. ولم تؤدِّ عمليات القصف إلى انتفاضة شعبية شاملة، رغم أنها استهدفت رأس النظام ودمّرت جزءاً كبيراً من ترسانته من الصواريخ الباليستية. وتكمن قوة صمود الجمهورية الإسلامية في كونها «شبكة» أكثر من كونها “هيكلية هرمية”، إذ تجمع بين الالتزام الأيديولوجي واللامركزية التنظيمية.

وأزالت الهجمات الأمريكية-الإسرائيلية توتّراً داخلياً كبيراً داخل هذا النظام السياسي. فلم يعد هناك انقسام بين إصلاحيين ومعتدلين ومحافظين متشدّدين، بل بات الجميع اليوم متشدّدين، لأن النظام يكافح من أجل البقاء في مواجهة أعداء وجوديين. وإلى جانب ذلك، دشّنت الحرب مرحلة الخلافة السياسية وصعود قيادات جديدة، مثل آية الله مجتبى خامنئي، وهي قيادات لا تملك أي سبب للتفاوض أو حتى للتفكير في الإصلاح. وسيعمد النظام الجديد إلى قمع الاحتجاجات الشعبية بيد من حديد، مع الاستمرار في تحدّي الغرب.

كابوس غير متكافئ

كما رفعت عملية “الغضب الملحمي” من مكانة الحرس الثوري الإيراني، ليصبح ركيزةً مؤسسية حقيقية للنظام والدولة معاً. فقد أدار الحرس حملة الردّ الإيرانية، بما في ذلك هجمات الطائرات المسيّرة والصواريخ الأكثر تدميراً ضد أهداف مدنية وبنى تحتية للطاقة في ممالك الخليج. وبما أن الولايات المتحدة وإسرائيل ترفضان غزو إيران برّاً خشية الخسائر البشرية، فإن النظام يدرك أنه لم يعد لديه الكثير ليخسره عبر مواصلة إلحاق أقصى درجات العقاب بالولايات المتحدة وإسرائيل وحلفائهما العرب، من خلال تقييد الملاحة في مضيق هرمز وتصعيد حملات الانتقام. وبدلاً من حلّ “المعضلة الإيرانية”، أدّى النزاع الحالي إلى مزيد من الراديكالية الإيرانية، محوّلاً إياها إلى كابوس من الحروب غير المتكافئة.

رابعاً، بدّدت الحرب على إيران كلّ وهم بإمكان الولايات المتحدة وإسرائيل أن تضطلعا بدور الضامن للسلام في أماكن أخرى من المنطقة، وخصوصاً في غزة. فلم تعد لأيّ من هاتين الدولتين أي صدقية بوصفهما صانعتَي سلام أو ضامنتَي استقرار. ورغم بقاء قطاع غزة خاضعاً لـ“خطة السلام” الأمريكية، فإن أي اتفاقات مستقبلية تتعلّق بالحكم والأمن ستظلّ فارغة من المعنى. فحكومات المنطقة تنظر إليها على أنها غطاء لإطالة أمد الاحتلال الإسرائيلي، الذي ستُجبر حكومات المنطقة على دعمه. وبعد غزة، تتجه إسرائيل بالفعل إلى الضفة الغربية، وتُسرّع مشروعها الاستعماري الهادف إلى ضمّ الأرض وتهجير سكانها، من أجل تصفية حلم الدولة الفلسطينية نهائياً. ويفرض ذلك تحدّياً كبيراً على شركاء إسرائيل ضمن «اتفاقات أبراهام». فإذا كانت معاهدات التطبيع الموقّعة عام 2020 ما تزال قائمة على الورق، فإن هذه الدول العربية تواجه عملياً اتساع الفجوة بين خطاب السلام والواقع الميداني. وقد لا تنخدع مجتمعاتها بعد اليوم بسهولة بوعد التنمية والازدهار المرتبط بتوسيع التبادل التجاري والتكنولوجي والسياحي مع إسرائيل. بل ستنظر إلى العلاقة مع إسرائيل باعتبارها صفقة خاسرة مع دولة مارقة لا تستحق الثقة.

وأخيراً، لن تنجح الحرب على إيران في توحيد العالم العربي. فعلى الرغم من التضامن المؤقت الذي برز بين ممالك الخليج في مواجهة الردود الإيرانية، ستستمر الانقسامات الجيوسياسية. فالائتلاف العربي المضاد للثورات، الذي فرض نفسه بعد “الربيع العربي” في 2011-2012 برعاية بعض الممالك الخليجية، بدأ يتصدّع منذ سنوات. ورغم أن هذا التكتل المضاد للثورات نجح في تعطيل موجة الاحتجاجات الثورية، فإنه أخفق في تلبية المطالب الشعبية بالديمقراطية من خلال نموذج قابل للحياة من الحداثة السلطوية يكون قادراً على إرضاء المجتمعات.

تكتّل إقليمي جديد في مواجهة محور إسرائيل-الإمارات

بدأت الإمارات العربية المتحدة والمملكة العربية السعودية تسلكان مسارين متباعدين على نحو مقلق في رؤيتيهما الاستراتيجيتين للمنطقة. فقد تبنّت الإمارات استراتيجية تخريبية تستهدف تفتيت دول المنطقة الأخرى عبر التدخّلات العسكرية والسياسية، بينما سعت السعودية إلى كبح هذا الاندفاع المغامر وإعادة النظر في خياراتها. وكانت هاتان القوتان المتوسطتان في الخليج قد انخرطتا بالفعل في حروب بالوكالة في اليمن والسودان، فضلاً عن ليبيا. وفي النظام الإقليمي لما بعد الحرب، ومع غياب التهديد الإيراني المشترك القادر على توحيدهما، ستسود انقسامات جيوسياسية جديدة. وقد تمضي الإمارات في تعزيز علاقاتها مع إسرائيل أكثر فأكثر، لموازنة ائتلاف جديد يضمّ السعودية وتركيا وقطر، ويسعى إلى الحفاظ على حدّ أدنى من تماسك النظام الإقليمي.

في الخلاصة، ستقلب الحرب على إيران الشرق الأوسط رأساً على عقب، وستحوّل مشهده الجيوسياسي إلى واقع كان يصعب تصوّره قبل عشر سنوات فقط. وبين الهيمنة الإسرائيلية والراديكالية الإيرانية، وفي ظلّ انعدام المسؤولية المتزايد للقوة المهيمنة، أي الولايات المتحدة، التي تُعرّض جزءاً كبيراً من العالم العربي لانعدام الأمن، يرى العرب في هذا النظام الإقليمي الجديد فضاءً مشبعاً بالمخاطر والتهديدات. ويشكّل ذلك تذكيراً قاسياً، مرةً أخرى، بأن التدخّلات الأجنبية والحروب اللامتناهية لم تجلب يوماً السلام إلى المنطقة.

هشام العلوي

أستاذ في جامعة ستانفورد، وعضو في مجلس إدارة مركز ويذر هيد في جامعة هارفارد، ورئيس مؤسسة هشام العلوي.

المصدر: orientxxi

نحن نستخدم ملفات تعريف الارتباط لتخصيص المحتوى والإعلانات، وذلك لتوفير ميزات الشبكات الاجتماعية وتحليل الزيارات الواردة إلينا. إضافةً إلى ذلك، فنحن نشارك المعلومات حول استخدامك لموقعنا مع شركائنا من الشبكات الاجتماعية وشركاء الإعلانات وتحليل البيانات الذين يمكنهم إضافة هذه المعلومات إلى معلومات أخرى تقدمها لهم أو معلومات أخرى يحصلون عليها من استخدامك لخدماتهم.

اطّلع على التفاصيل اقرأ أكثر

موافق