الصحافة _ كندا
بقلم/ سيداتي بيدا
تحت لافتات الإبداع، تخرج الزجالة المغربية سناء مطر كصوتٍ يعلن تمرّده الصريح على هذا الانحدار الجمالي، لا بالصخب المجاني، بل بسلطة الكلمة حين تستعيد معناها الحقيقي وهيبتها المفقودة.
ففي الوقت الذي تحوّلت فيه كثير من المنصات الثقافية إلى فضاءات للاستهلاك العاطفي السريع، اختارت سناء مطر أن تسلك الطريق الأصعب؛ طريق الفن الذي يُبنى على الوعي لا على الاستعراض، وعلى العمق لا على الإثارة المؤقتة. لذلك لا يبدو الزجل في تجربتها مجرد نص يُلقى، بل مشروع فكري وجمالي يقاوم تسطيح الذائقة، ويعيد الاعتبار للكلمة باعتبارها فعلاً ثقافياً قادراً على مساءلة الإنسان والواقع معاً.
ومن هنا تكتسب مشاركتها الثانية ضمن فئة الكبار في مسابقة وطن الإبداع والمبدعين للإلقاء الشعري والزجلي دلالة تتجاوز حدود التنافس العابر؛ إذ تتحول المشاركة إلى إعلان ثقافي واضح بأن الأصوات الحقيقية لا تحتاج إلى ضجيج افتراضي كي تُسمَع، لأن القيمة الفنية حين تكون أصيلة تفرض حضورها بقوة الرؤية وصدق التجربة.
إن المتأمل في مشروع سناء مطر يكتشف أنه أمام تجربة تكتب بوعي جمالي صارم، حيث لا تُترك الجملة للارتجال العاطفي، ولا تُستعمل اللغة كزينة لفظية خاوية، بل تتحول القصيدة إلى بناء شعوري وفكري متماسك، تتجاور داخله الحساسية الإنسانية مع الرؤية النقدية العميقة. فهي لا تكتب من خارج الألم الإنساني ولا من هامش الوعي، بل من قلب التجربة نفسها، ولذلك تأتي نصوصها محمّلة بحرارة الصدق ونُبل المعنى.
أما في الإلقاء، فإن سناء مطر لا تتعامل مع المنصة بوصفها مساحة للظهور، بل باعتبارها امتداداً روحياً للنص. فهي لا تُلقي القصيدة بقدر ما تُعيد خلقها صوتياً ووجدانياً أمام الجمهور، حتى يبدو الصوت وكأنه جزء من المعنى ذاته. ولهذا يتحول حضورها إلى لحظة فنية نادرة تستعيد فيها القصيدة هيبتها التي أهدرتها موجات الاستسهال الثقافي والتضخم الإعلامي للأصوات الفارغة.
ولعل أخطر ما تكشفه هذه التجربة هو أنها تضع المشهد الثقافي أمام سؤال حقيقي: كيف يمكن للكلمة الراقية أن تستمر في زمن أصبحت فيه التفاهة تُنتج بكثافة وتُسوَّق باعتبارها نجاحاً؟ هنا تحديداً تتجلى قيمة سناء مطر، لأنها لا تهادن الرداءة ولا تدخل في مساومات الذوق السهل، بل تراهن على وعي المتلقي وقدرته على التمييز بين الفن بوصفه موقفاً حضارياً، وبين الخطاب الاستهلاكي الذي يستهلك اللغة ويُفرغها من معناها.
هكذا تواصل سناء مطر مسارها بثبات المثقف الحقيقي، حاملة مشروعاً إبداعياً يؤمن بأن الزجل المغربي ليس فناً هامشياً، بل ذاكرة شعب وهوية وجدان وصوت مجتمع.














