الصحافة _ كندا
مرة أخرى، تجد جريدة لوموند الفرنسية نفسها في قلب عاصفة من الجدل، بعد نشر سلسلة مقالات حول الوضع السياسي في المغرب، وُصفت بـ”التحقيقات”، لكنها في الحقيقة لم تكن سوى بناء هش قائم على الشائعات، والافتراضات، ومصادر مجهولة لا سند لها. وهنا تكمن خطورة الموضوع: عندما تتحول الصحافة التي يفترض أنها مرجعية، إلى منصة لإعادة تدوير النميمة وتغليفها في شكل “تحقيق صحفي”.
إن ما صدر عن لوموند ليس إلا تعبيرًا عن أزمة مهنية وأخلاقية عميقة. فالصحافة الجادة، كما نعلم جميعًا، تقوم على التحقق من المعطيات، والتقاطع بين الشهادات، والاعتماد على وثائق وأرشيفات قابلة للتدقيق. بينما اختارت لوموند الاختباء وراء عبارات فضفاضة مثل “دبلوماسي غربي” أو “مقرب من الدائرة الأولى” أو حتى “يهمس البعض”، وهي صيغ تسقط مباشرة في خانة الإنشاء لا الصحافة. بهذا المعنى، نحن أمام نصوص أقرب إلى الحكايات الغرائبية منها إلى أعمال تحقيقية.
الأدهى أن الجريدة لم تتورع عن بتر الاقتباسات الأصلية لتقديمها في قوالب مبتسرة تخدم سردية مسبقة، كما فعلت مع تصريحات صحافيين أجانب، أو باستدعاء شهادات لأشخاص ليست لهم أي شرعية معرفية أو مهنية للحديث عن القصر أو عن الوضع السياسي في المغرب. الأمر أشبه بمن ينسج قصة من “ضجيج الممرات” كما وصف البلاغ المغربي، أكثر مما هو إنتاج لتحقيق مهني.
إن الاعتماد المفرط على مصادر مجهولة، وغياب أي إمكانية للتحقق، يُفرغ العمل من أي قيمة واقعية أو معرفية. بل أكثر من ذلك، يُدخل الصحيفة نفسها في دائرة التشهير والتأويلات المرضية حول “الوضع الصحي” أو “النفسي” لشخصيات عامة، وهو ما تمنعه كل مواثيق الشرف الصحفية في العالم.
لا أحد يعترض على حق الصحافة في النقد، أو في فتح ملفات حساسة، لكن بشرط أن تحترم القواعد الدنيا للمهنة: دقة، توثيق، مسؤولية. أما أن تتحول جريدة بحجم لوموند إلى منبر لـ”القصص المتخيلة” وتوظيف مصطلحات قدحية، فذلك سقوط مدوٍّ، لا يسيء فقط إلى صورتها، بل إلى مهنة الصحافة ككل.
لقد أكد المغرب، مرارًا، أنه لا يخشى النقاش، لكنه يرفض التضليل والتشهير. والحملة الأخيرة تكشف بوضوح أن الأمر لا يتعلق بتحقيق صحفي، بل بمحاولة صناعة صورة نمطية عن بلد كامل، من خلال مقالات مفبركة، ومصادر مشبوهة، واستنتاجات معدة سلفًا.
إن الرهان اليوم ليس فقط على الرد على مزاعم لوموند، بل على تعزيز إعلام مغربي قوي ومهني، قادر على إنتاج سرديته الخاصة، والدفاع عن الحقيقة بصرامة وموضوعية، بدل أن نبقى رهائن “تصورات” تُفبرك في مكاتب باريس.