الصحافة _ كندا
لم تكن استضافة كأس إفريقيا للأمم 2025 حدثا رياضيا عاديا بقدر ما شكلت لحظة سياسية رمزية عالية الدلالة في مسار تموقع المغرب قاريا ودوليا حيث كشفت البطولة منذ انطلاقتها أن المستطيل الأخضر بات امتدادا مباشرا لخيارات استراتيجية أعمق توظف فيها المملكة الرياضة كأداة قوة ناعمة لترسيخ صورتها كدولة مستقرة وقادرة على التنظيم والتدبير في محيط إقليمي ودولي شديد التقلب.
هذا البعد لم يغب عن أعين المراقبين الدوليين إذ اعتبر الباحث الفرنسي في العلوم السياسية سيباستيان بوسوا في مقال رأي نشرته صحيفة La Tribune أن تنظيم المغرب للكان يمثل ضربة دبلوماسية رياضية حقيقية تتويجا لاستراتيجية طويلة النفس قادتها المؤسسة الملكية وجعلت من الرياضة رافعة للنفوذ والشرعية الدولية بدل الاكتفاء بوظيفتها الترفيهية أو التنافسية.
ومن الناحية العملية قدمت البطولة دليلا ملموسا على جاهزية البنية التحتية الوطنية من ملاعب حديثة وشبكات نقل فعالة وقدرة لوجستية وأمنية عالية المستوى حيث جرت المنافسات بسلاسة وامتلأت المدرجات دون تسجيل اختلالات كبرى وهو ما انعكس في تغطيات إعلامية دولية إيجابية عززت موقع المغرب كوجهة موثوقة لتنظيم التظاهرات الكبرى في قارة كثيرا ما تختزل في خطاب الأزمات.
سياسيا أثير في البداية نقاش محدود حول غياب الملك محمد السادس عن حفل الافتتاح غير أن هذا الجدل سرعان ما تراجع أمام الزخم التنظيمي والشعبي للبطولة إذ بدا واضحا أن الرهان الحقيقي لم يكن في الرمزية البروتوكولية بل في قدرة الدولة على إدارة حدث قاري معقد وهو اختبار نجحت فيه المؤسسات المغربية بهدوء ودون استعراض.
في المقابل حمل الحضور اللافت والمتكرر لولي العهد الأمير مولاي الحسن في المدرجات والاستقبالات الرسمية دلالات سياسية عميقة إذ قرأه محللون كإشارة على انتقال ناعم ومدروس في تمثلات المؤسسة الملكية ورسالة داخلية وخارجية مفادها أن الدولة تراهن على الاستمرارية وتشتغل بمنطق الزمن الطويل لا بمنطق اللحظة.
ولا يمكن فصل كان 2025 عن الأفق الأوسع المتمثل في الاستعداد المشترك لتنظيم كأس العالم 2030 إلى جانب إسبانيا والبرتغال حيث بدت البطولة بمثابة تمرين واسع النطاق اختبر فيه المغرب جاهزيته التقنية وقدرته على التنسيق الدولي وتدبير التدفقات الجماهيرية والإعلامية بما يعزز ثقة الشركاء والمؤسسات الرياضية العالمية.
وأبعد من لغة الأرقام والنتائج تعكس التجربة نموذجا مغربيا متماسكا يربط التنمية بالبنية التحتية والاستثمار بالاستقرار والرياضة بالسياسة في صيغة هادئة وفعالة تؤهل المملكة للتموقع كقوة إقليمية وازنة تعتمد أدوات ناعمة بدل الخطاب التصادمي في عالم يتجه أكثر فأكثر نحو توظيف الرياضة كمساحة جديدة لبناء النفوذ.
بهذا المعنى لا تضاف كأس إفريقيا للأمم 2025 إلى سجل البطولات فقط بل تندرج كحلقة مفصلية في مسار دبلوماسي أوسع جعل من كرة القدم لغة سياسية عالمية ومن الملاعب فضاءات جديدة لتكريس الصورة وبناء المكانة وترسيخ الثقة في المغرب كدولة تعرف إلى أين تتجه.














