الصحافة _ كندا
تكشف الفواجع الطبيعية المتتالية التي عرفتها المملكة، وآخرها فاجعتا فاس وآسفي، عن استمرار أعطاب عميقة في منظومة الوقاية من الكوارث والاستجابة لها، رغم التحذيرات المبكرة والتوصيات التفصيلية التي أصدرها المجلس الاقتصادي والاجعي والبيئي منذ سنة 2023 بشأن مخاطر الفيضانات والزلازل والجفاف.
فبعد مرور أكثر من عامين على صدور رأي المجلس، لم تُترجم غالبية توصياته إلى سياسات عمومية عملية، ما يثير تساؤلات جدية حول مستوى التفاعل الرسمي مع أحد أخطر التحديات التي تهدد الأمن الإنساني والاقتصادي بالمغرب.
وتشير معطيات المجلس إلى أن الخسائر الاقتصادية الناجمة عن الكوارث الطبيعية تفوق 8 مليارات درهم سنويا، أي ما يعادل نحو 0.8 في المائة من الناتج الداخلي الإجمالي، في وقت لا تزال فيه المقاربة المعتمدة قائمة أساسا على التدخل بعد وقوع الكارثة بدل الاستثمار في الوقاية والاستباق.
وتتكرر المشاهد ذاتها مع كل أزمة طبيعية، من فيضانات تغمر أحياء سكنية وبنيات تحتية، إلى عزلة مناطق قروية لأيام بسبب انقطاع الطرق، وخسائر جسيمة يتكبدها الفلاحون خلال مواسم الجفاف، بينما ظلت توصيات تعزيز الجاهزية والوقاية حبيسة التقارير.
ومن أبرز ما دعا إليه المجلس الاقتصادي والاجتماعي والبيئي سن قانون إطار خاص بالكوارث الطبيعية، يحدد المفاهيم والمسؤوليات وينظم مراحل الوقاية والتدخل وإعادة الإعمار.
غير أن هذا النص، الذي اعتُبر حجر الزاوية لإصلاح المنظومة، لم ير النور بعد، ما أبقى تدبير الكوارث خاضعا لنصوص متفرقة وغير منسجمة، وأضعف التنسيق بين مختلف المتدخلين، خاصة على المستوى الترابي.
كما أن مشروع إحداث المرصد الوطني للمخاطر، المكلف بتجميع وتحيين المعطيات وإعداد خرائط دقيقة للمخاطر الطبيعية، لا يزال مؤجلا، وهو ما يفرض الاعتماد على معطيات غير محينة وتقديرات ظرفية، في غياب قاعدة بيانات وطنية موحدة.
ويؤكد فاعلون محليون أن هذا الغياب يعرقل التخطيط الاستباقي، لا سيما في مجالات التعمير وإعداد التراب، حيث تستمر أحيانا إقامة مشاريع سكنية أو بنى تحتية في مناطق معروفة بهشاشتها.
وسجل المجلس في تقريره أن الجماعات الترابية تشكل الحلقة الأولى في مواجهة الكوارث، غير أن الواقع يكشف محدودية قدراتها التقنية والمالية، وافتقار العديد منها لمخططات خاصة بتدبير المخاطر أو فرق مؤهلة ومجهزة للتدخل السريع.
ويرى متتبعون أن ضعف إشراك المنتخبين والفاعلين المحليين في صياغة السياسات الوطنية ساهم في اتساع الهوة بين التخطيط المركزي والواقع الميداني، خاصة في الوسط القروي والمناطق الجبلية.
ويلاحظ أن معظم الاختلالات التي تظهر اليوم سبق تشخيصها بدقة في تقارير رسمية، من بينها ضعف ثقافة الوقاية، وهشاشة البنيات التحتية، وغياب التنسيق، وتأخر تفعيل الاستراتيجيات الوطنية، غير أن الاستجابة ظلت في كثير من الحالات محصورة في إجراءات استعجالية محدودة.
ويعيد هذا الوضع إلى الواجهة النقاش حول مكانة آراء المؤسسات الدستورية الاستشارية، ومدى التزام الحكومة بتنفيذ توصياتها، خصوصا عندما يتعلق الأمر بقضايا تمس سلامة المواطنين واستقرار الاقتصاد الوطني.
ومع كل كارثة، تتجدد الأسئلة حول المسؤولية وغياب الاستعداد المسبق وتكرار الخسائر نفسها، في وقت تؤكد المؤشرات المناخية والبيئية أن المغرب أصبح أكثر عرضة لتقلبات طبيعية متزايدة، ما يجعل الانتقال من منطق رد الفعل إلى منطق الوقاية أمرا ملحا لا يحتمل مزيدا من التأجيل.














