الصحافة _ كندا
هشام العلوي
تشكل الحرب في إيران قطيعة كبرى في النظام الإقليمي في الشرق الأوسط. فعلى مدى عقدين من الزمن، كانت الاستقرار الجيوسياسي في الخليج وفي جزء كبير من العالم العربي قائماً على توازن هش. فمن جهة، كانت هناك إيران التي تعززت بشكل كبير بعد حرب 2003 ضد العراق، ومعها «محور المقاومة» الذي يضم حلفاء مختلفين مثل حزب الله والنظام السوري بقيادة بشار الأسد. ومن جهة أخرى، كان هناك تكتل محافظ يتكون أساساً من دول عربية تسعى إلى احتواء الطموحات الإقليمية لإيران والحفاظ على الوضع القائم بدعم من الولايات المتحدة. لم يكن أي من الطرفين يدعو إلى الديمقراطية، لكن لم يكن أي منهما يسعى أيضاً إلى القضاء على الآخر، بل كانا يتعايشان مع حرب باردة إقليمية متوترة لكنها قابلة للإدارة.
لقد انتهى ذلك العصر. فقد أدت العملية الأمريكية «الغضب الملحمي» التي أُطلقت في 28 فبراير 2026 ضد إيران إلى خلق مشهد أكثر فوضوية، يتسم بتفكك السيادات وتصدع التحالفات، ومن المرجح أن يستهلك المنطقة لسنوات قادمة. وقد أثارت هذه الحرب انتقادات مبررة بسبب طابعها غير القانوني، وأهدافها الغامضة، والعدوان الصريح من قبل الولايات المتحدة وإسرائيل، إضافة إلى الردود العشوائية وغير المبررة من الجيش الإيراني ضد العديد من دول الخليج، فضلاً عن القيود المفروضة على مضيق هرمز، التي أدخلت أسواق النفط والغاز العالمية في حالة اضطراب.
زمن «السلام الإسرائيلي»
عندما ينتهي هذا الصراع، سيضطر الشرق الأوسط الجديد إلى مواجهة تحولات صادمة عدة. أولاً، تعيش المنطقة اليوم في ظل ما يُسمى «السلام الإسرائيلي»، حيث أصبحت إسرائيل أقوى فاعل عسكري بفضل تفوقها التكنولوجي ودعم الولايات المتحدة غير المشروط. وقد أظهرت إسرائيل قدرتها على الاختراق الاستخباراتي، والتدخل بعيداً عن أراضيها وعلى عدة جبهات في آن واحد. وأصبح هذا البلد الصغير يهيمن بشكل قسري على بقية دول الشرق الأوسط، باستثناء تركيا. والأهم أن الحرب ضد إيران حيّدت الجمهورية الإسلامية كقوة موازنة.
يمتد الآن نطاق العسكرة الإسرائيلية على جزء كبير من المنطقة. فمنذ اندلاع حرب غزة في أكتوبر 2023، نفذت إسرائيل عمليات هجومية في فلسطين واليمن وسوريا ولبنان وإيران. وبفضل اتفاقيات أبراهام لعام 2020 مع المغرب والسودان والبحرين والإمارات، لم تعد العديد من الدول العربية تعتبر إسرائيل عدواً.
وهكذا، ولأول مرة منذ تأسيسها، لن تواجه إسرائيل قوة دولة موازنة ذات شأن. ويُعد ذلك نجاحاً كبيراً لتل أبيب التي سبق أن حيّدت أقوى دولة عربية عبر معاهدة السلام مع مصر عام 1979. ورغم أن الفاعلين غير الحكوميين مثل حزب الله وحماس والحوثيين لن يختفوا، فإن أياً من دول المنطقة لم يعد قادراً على مواجهة الرؤية التوسعية للحكومة الإسرائيلية اليمينية بشكل موثوق. ويبقى الحد الوحيد لقوتها هو ما تفرضه الولايات المتحدة.
ستكون للعلاقات العربية الإسرائيلية تبعات كبيرة. فبعد أن كانت الدول العربية تُستمال لتطبيع العلاقات، ستصبح الآن عرضة للتهديد والضغط. وقد فتح القصف غير المسبوق لقطر من قبل إسرائيل في سبتمبر 2025 مرحلة جديدة، كاشفاً ضعف دول الخليج ليس فقط أمام إيران، بل أيضاً أمام الهيمنة الإسرائيلية والدعم الأمريكي لها. ومع تراجع التهديد الإيراني، باتت إسرائيل تمتلك القدرة على فرض إرادتها على دول الخليج.
وفي هذا السياق، تبرز فرصة فريدة لولي العهد السعودي محمد بن سلمان، الذي رفض حتى الآن الضغوط الأمريكية لتوقيع اتفاق تطبيع مع إسرائيل. فإذا استمر في موقفه، فقد يعزز شرعيته داخلياً وإقليمياً، بل وقد يجعل من بلاده قوة إقليمية رئيسية. لكن يبقى السؤال: هل يستطيع اتباع هذا المسار المستقل دون أن يعرّض سلطته للخطر؟
ثانياً، أضرت الحرب بسمعة الغرب، خصوصاً الولايات المتحدة. فدول الخليج ترى في الصراع مغامرة أمريكية إسرائيلية لا معنى لها، لم توافق عليها لكنها تدفع ثمنها من حيث الأضرار والاضطراب الاقتصادي. ولم تمنع استثماراتها الضخمة أو صفقاتها العسكرية أن تُضحّى بها لصالح الحسابات الاستراتيجية الأمريكية. وهذا يقود إلى مفارقة: في ظل «السلام الإسرائيلي»، قد يصبح امتلاك السلاح النووي الضمان الوحيد لأمن دول الخليج.
الولايات المتحدة: من رجل إطفاء إلى مُشعل حرائق
بعد حرب الخليج 1990-1991، كانت الولايات المتحدة القوة المهيمنة في المنطقة، توفر الأمن مقابل النفوذ. لكنها اليوم تُنظر إليها كمصدر للفوضى، بعد أن أشعلت حرباً أدت إلى زعزعة استقرار حلفائها. ومن المتوقع أن تصبح دول الخليج أكثر تشككاً في الوعود الأمريكية، وأن تتجه نحو الصين بحثاً عن فرص اقتصادية.
ثالثاً، أدت الحرب إلى نتيجة عكسية لما كان مخططاً لها. فبدلاً من إضعاف النظام الإيراني، جعلته أكثر تشدداً. لم تؤدِ الضربات إلى انتفاضة شعبية، بل عززت تماسك النظام الذي يعتمد على شبكة لا مركزية. كما أزالت الانقسامات الداخلية بين الإصلاحيين والمتشددين، ليصبح الجميع في صف واحد ضد ما يعتبرونه تهديداً وجودياً.
كابوس غير متكافئ
عززت الحرب أيضاً دور الحرس الثوري الإيراني كركيزة أساسية للنظام. وبما أن الولايات المتحدة وإسرائيل لا ترغبان في حرب برية، فإن إيران تواصل الرد عبر هجمات غير تقليدية وإجراءات مثل تعطيل مضيق هرمز. وهكذا، بدلاً من حل المشكلة الإيرانية، زادت الحرب من تعقيدها.
رابعاً، فقدت الولايات المتحدة وإسرائيل مصداقيتهما كصانعي سلام، خاصة في غزة. وأي اتفاقيات مستقبلية ستُنظر إليها بعين الشك، باعتبارها غطاءً لاستمرار الاحتلال. كما تتجه إسرائيل نحو تصعيد سياساتها في الضفة الغربية، مما يزيد من تعقيد الوضع ويضع الدول العربية أمام تحديات جديدة.
وأخيراً، لن تؤدي الحرب إلى توحيد العالم العربي. فرغم التضامن المؤقت، ستستمر الانقسامات. كما أن التحالفات الإقليمية بدأت تتفكك، مع اختلاف الرؤى بين السعودية والإمارات، حيث تتبع الأخيرة سياسة أكثر تدخلاً، بينما تميل الأولى إلى التهدئة.
تكتل إقليمي جديد في مواجهة محور إسرائيل–الإمارات العربية المتحدة
في مرحلة ما بعد الحرب، قد نشهد تشكل محاور جديدة، حيث قد تعزز الإمارات علاقاتها مع إسرائيل، في مقابل محور آخر يضم السعودية وتركيا وقطر. وهذا يعكس مرحلة جديدة من التنافس الإقليمي.
في الختام، ستغير الحرب في إيران شكل الشرق الأوسط بشكل جذري، وتضع العالم العربي بين هيمنة إسرائيل وتشدد إيران، مع تراجع دور الولايات المتحدة كضامن للاستقرار. وهو ما يؤكد مرة أخرى أن الحروب والتدخلات الخارجية لم تجلب السلام للمنطقة.
المصدر: orientxxi














