الصحافة _ كندا
أثار اعتماد خريطة جديدة للمغرب داخل قاعة اللجنة الخارجية في الجمعية الوطنية الفرنسية جدلاً سياسياً واسعاً في الأوساط البرلمانية بباريس، وذلك بعد أن تبين أن الخريطة المعروضة تُظهر الصحراء المغربية كجزء لا يتجزأ من التراب الوطني للمملكة، دون الإشارة إلى الحدود المتنازع عليها.
هذا التعديل، الذي تم دون إعلان رسمي، يأتي بعد أشهر من إصدار وزارة الخارجية الفرنسية في نوفمبر 2024 لخريطة مماثلة خالية من الخط الفاصل، وهو ما يؤشر، في نظر عدد من المتابعين، إلى تحول دبلوماسي فعلي في موقف باريس من قضية الصحراء المغربية.
احتجاجات داخل البرلمان الفرنسي
وخلال جلسة للجنة الشؤون الخارجية بتاريخ 26 مارس الجاري، عبّر النائب جان بول لوكوك، المنتمي إلى كتلة اليسار الديمقراطي والجمهوري، عن اعتراضه الشديد على الخريطة الجديدة.
واعتبر أن هذا التغيير يخالف الموقف الرسمي لفرنسا المعتمد منذ عقود، والمرتكز على قرارات الأمم المتحدة، مضيفاً أن الخريطة السابقة كانت أكثر اتساقاً مع القانون الدولي، حسب زعمه.
وفي تدخله خلال الجلسة، تساءل لوكوك عن الجهة التي أقرت هذا التعديل، وعن مدى توافقه مع السياسة الخارجية الرسمية للدولة الفرنسية، معتبراً أن إدراج هذه الخريطة دون نقاش برلماني أو قرار علني يطرح تساؤلات حول استقلالية المؤسسات واحترام المساطر الرسمية.
تغير تدريجي في موقف باريس
ومن منظور تحليلي، لا يمكن فصل هذا التطور الرمزي عن سلسلة من المؤشرات السياسية التي ظهرت خلال العامين الماضيين، وتُظهر بوضوح ميلاً متزايداً من طرف باريس نحو دعم مقترح الحكم الذاتي الذي تقدمه المملكة المغربية كحل للنزاع الإقليمي حول الصحراء.
ففي تصريحات رسمية متكررة، اعتبرت السلطات الفرنسية أن المبادرة المغربية للحكم الذاتي تمثل “أساساً جاداً وذا مصداقية” لحل النزاع، دون أن تصدر بعدُ اعترافاً مباشراً بمغربية الصحراء على غرار بعض الدول الكبرى كأمريكا أو إسبانيا.
إلا أن التدرج في القرارات الرمزية، من حذف الحدود على الخرائط الرسمية، إلى اعتمادها داخل المؤسسة التشريعية، قد يكون مؤشراً على تحضير سياسي لتثبيت اعتراف فعلي بالموقف المغربي في المستقبل القريب.
الخرائط كأداة دبلوماسية
وفي العلاقات الدولية، تُعد الخرائط وسيلة تعبير سيادي ودبلوماسي، وتوظف أحياناً كأداة لإعادة صياغة الواقع الجغرافي بما يتماشى مع مواقف الدول ومصالحها.
واعتماد خريطة موحدة للمغرب داخل قاعة رسمية في البرلمان الفرنسي يضفي بعداً مؤسساتياً على الموقف الجديد، ويعكس تحوّلاً في طريقة تعاطي فرنسا مع هذا الملف الحساس.
تداعيات إقليمية محتملة
وتأتي هذه الخطوة في سياق إقليمي متغير، حيث تسعى باريس إلى ترميم علاقتها مع الرباط بعد سنوات من التوتر الدبلوماسي، لا سيما في ظل تصاعد تأثير قوى أوروبية أخرى في المغرب، وفي مقدمتها إسبانيا وألمانيا، فضلاً عن الدور الأمريكي المتزايد.
ومن شأن هذا التحول الفرنسي أن يعيد رسم معالم الموقف الأوروبي من قضية الصحراء، ويفتح الباب أمام انخراط أكبر للاتحاد الأوروبي في دعم الحل السياسي المقترح من طرف المملكة المغربية.