“بوليساريو” أمام منعرج البقاء

10 مارس 2021
“بوليساريو” أمام منعرج البقاء

الصحافة _ وكالات

ثبت مع الوقت، وبالتجربة، أن الخطابات الشعبوية التي تستخدمها الحركات التي تتستر بستار التحرر والتحرير، إنما هي جرعات فارغة المحتوى، ومجرد مسكنات ومهدئات لا تصمد طويلا أمام مرارة الواقع. فجبهة “بوليساريو”، التي صمت الآذان طيلة الفترة الماضية بمجموعة من الترانيم التي تطلق عليها بلاغات عسكرية، معززة بنعيق غربانها على شاشات الإعلام الجزائري، ليسوقوا أسطوانة القيادة، التي تزعم بأن المعارك والحرب والصمود هي العناوين الأبرز لهذه المرحلة، فقدت، مع مرور الوقت، بوصلتها، وبدأ خطابها يتبعثر، بل ويتناقض.
فقبيل احتفائها بذكرى إعلان “جمهورية الرابوني”، صرح البشير مصطفى السيد، في كلمة متلفزة، حرص شخصيا على بثها، أن القيادات تعيش بحبوحة لا يمكن أن تقنع بواقعية حالة الحرب، وأن نجاحها في إلهاب عاطفة بعض سكان المخيم بعد سقطة الكركرات، سيمكنها رغم كل شيء، من ربح المزيد من الوقت من أجل ترتيب أوراقها.
أما الناطق باسم الجبهة ووزير إعلامها، حمادة سلمى الداف، فقد خرج، عبر قناة “الحياة” الجزائرية، بخطاب مخالف تماما لما كان يروج له، قبل أسابيع، إذ أفصح عن وجود جهود دولية لاحتواء الأزمة، وأن “بوليساريو” لا تزال متمسكة بالشرعية الدولية، بل إن زعيم الجبهة طالب، في الكلمة التي ألقاها أمام عساكره بمخيم أوسرد، الأمم المتحدة باتخاذ خطوات عملية للتسريع بحل الأزمة، وهو الذي كان، قبل فترة وجيزة، يبيع عبارات الصمود والتحرير في أزقة وصفحات المواقع الجزائرية.
صحيح أن “بوليساريو” تم جرها إلى هذا المستنقع، ضمن سياق تفريج الأزمة الداخلية في الجزائر، وصحيح أيضا أن قيادات “بوليساريو” ليست سيدة خطابها وقراراتها، لكنها كانت تمتلك القدرة على وضع شارات العودة إلى المرحلة السابقة، وكانت في غنى عن رفع سقف التوقعات التي أصبحت وبالا عليها طيلة أربعة أشهر الماضية، إذ كلما تحدثت “بوليساريو” والإعلام الجزائري عن قرب تحقيق مكاسب، إلا وجاءت النتائج معاكسة لترغم الجبهة على مواجهة إحراجها الداخلي لوحدها.
لكن ليس في كل مرة تسلم الجرة، فمع تتابع الكذب والخيبات، لم يعد بمقدور دعاية الجبهة الصمود أمام هذا الكم الهائل من الانهزام، وانتقلت إلى مربع كان القيادي الراحل امحمد خداد يداعب فيه مشاعر سكان المخيم، كلما أسدل ليل الحيرة على خطاب الجبهة، ألا وهو ملف الثروات الطبيعية، الذي لم تساهم عودته للواجهة، عبر انعقاد جلستي محكمة العدل الأوربية للنظر في طعون “بوليساريو” في اتفاقية الصيد بين المغرب والاتحاد الأوربي، إلا في تكريس التناقض المسجل في موقف الجبهة بالنسبة إلى الوضعية في الصحراء، إذ سجل سكان المخيم التحول الذي طرأ في خطاب قياديين وازنين كانوا يتحدثون، بالأمس القريب، عبر قنوات “فرانس 24” عن حتمية الكفاح المسلح، وامتداد المعارك العسكرية إلى عمق التراب المغربي قبل أن يدخلوا حاملين أغصان زيتون إلى مباني الاتحاد الأوربي وهم يروجون للسلام، ويشكون المغرب لخرقه وقف إطلاق النار.
مشكلة “بوليساريو” لا تكمن فقط في أنها ذابت في الأجهزة الأمنية الجزائرية، ولا حتى في عدم وجود أدبيات أو خط خطاب واضح يمكن للحركة أن تعتبره مرجعا لها، بل إن الطامة الكبرى هي أن “بوليساريو” لم تعد موجودة عمليا وموضوعيا، فما يطلق عليه اليوم في المخيمات “مؤسسات” و”جيش” و”شعب” مجرد أدوات متحكم فيها مباشرة من ثكنة بن عكنون، وتسير حسب الأجندة الداخلية والخارجية لجنرالات الجزائر، فالقيادات التي كانت تملك هامش تحرك ومناورة داخل المخيم لذر الرماد في عيون السكان، لم تعد تملك من أمرها سوى تبرير غطرسة عسكر سكتور تندوف، بعد أن ضاق سكان المخيم ذرعا بإهاناتهم واحتقارهم، خصوصا أن الجيش الجزائري، الذي يجهل مكونات النفسية الصحراوية لا يتوانى عن كيل النعوت للصحراويين علانية ويحملهم مسؤولية المشاكل السوسيو اقتصادية التي يعانيها الشعب الجزائري.
لم تعد “بوليساريو” موجودة سوى في أذهان من أسسوها، بعدما أكد الواقع المعاش داخل المخيمات أنها انصهرت ضمن أخطبوط الأذرع الأمنية والاستخباراتية الجزائرية، المنتشرة على طول منطقة الساحل والصحراء، والدور اليوم على النخب الشابة في المخيمات، فهي التي يعول عليها في انتشال ذويها من مهزلة تاريخية جُر إليها الصحراويون كما تجر القطعان نحو المجازر، وحان الوقت لكي يستفيقوا قبل فوات الأوان، خصوصا أن الطرف الآخر ماض في استكمال الأحزمة وتأمين المنطقة قبل أن يقوم بطي الصفحة.

المصدر: الصباح

نحن نستخدم ملفات تعريف الارتباط لتخصيص المحتوى والإعلانات، وذلك لتوفير ميزات الشبكات الاجتماعية وتحليل الزيارات الواردة إلينا. إضافةً إلى ذلك، فنحن نشارك المعلومات حول استخدامك لموقعنا مع شركائنا من الشبكات الاجتماعية وشركاء الإعلانات وتحليل البيانات الذين يمكنهم إضافة هذه المعلومات إلى معلومات أخرى تقدمها لهم أو معلومات أخرى يحصلون عليها من استخدامك لخدماتهم.

اطّلع على التفاصيل اقرأ أكثر

موافق