الصحافة _ كندا
في خطاب سياسي مطوّل وحمّال للدلالات، أعاد عبد الإله بنكيران، الأمين العام لحزب العدالة والتنمية، فتح ملفات السيادة والهوية والقيم، انطلاقاً من مهرجان خطابي نظمه الحزب بالرباط، تخليداً للذكرى الثانية والثمانين لتقديم وثيقة المطالبة بالاستقلال.
وأكد بنكيران، بنبرة حازمة، أن قضية سبتة ومليلية تظل حاضرة في الوجدان الوطني، مشدداً على أن المغاربة لم ينسوا الثغور المحتلة ولن يتخلوا عنها، معتبراً أن استمرار وجودهما خارج السيادة المغربية وضع غير منطقي تاريخياً وجغرافياً. وأضاف أن المغرب لا يبحث عن صدام مع إسبانيا، غير أن استرجاع المدينتين “سيأتي وقته، شاء من شاء وأبى من أبى”، في إشارة واضحة إلى إيمان حزبه بعدالة القضية وطول النفس في تدبيرها.
وربط بنكيران هذا الموقف بالسياق التاريخي للمغرب، مبرزاً أن الاستعمار لم يتمكن عبر القرون من اختراق عمق البلاد، وظل محصوراً في بعض الثغور الساحلية، وهو ما يعكس، بحسبه، صلابة الدولة المغربية وقوة المجتمع وقدرته على حماية استقلاله وهويته.
ومن مدخل الذاكرة والسيادة، انتقل بنكيران إلى تفسير رمزية إحياء ذكرى 11 يناير، مؤكداً أن مشاركة حزب العدالة والتنمية في هذه المناسبة لا تعني الذوبان في حزب الاستقلال، بل تعكس قناعة راسخة بأن “البيجيدي” امتداد للتيار الصالح داخل الحركة الوطنية، الحامل لقيمها ومبادئها، رغم اختلاف السياقات والظروف.
وتوقف الأمين العام للحزب عند ما وصفه بضعف استحضار التاريخ الوطني في المنظومة التربوية، معتبراً أن أجيالاً من المغاربة لم تتلق تاريخ بلادها كما ينبغي، رغم أن المغرب ظل دولة قائمة ومستقلة عبر قرون طويلة، وأن الحماية كانت لحظة استثنائية وليست قاعدة في مسار الدولة.
وفي تشخيصه للوضع الراهن، شدد بنكيران على أن المغرب لا يحتاج إلى استقلال سياسي جديد، بقدر ما يحتاج إلى تصحيح المسار وإصلاح الأعطاب التي مست القيم وسلوك المجتمع. وأقر بوجود إنجازات في مجال البنيات التحتية، لكنه اعتبر أن التحدي الحقيقي يكمن في “إصلاح الإنسان”، وإعادة الاعتبار للجدية والمعقول والقيم الجامعة.
ووجّه بنكيران انتقادات لاذعة لما وصفه بهيمنة ثقافة الاستهلاك والانبهار بالمال، محذراً من تحول المجتمع إلى مجرد فضاء استهلاكي تُقاس فيه القيم بالمصالح المادية. واعتبر أن المال بات يُقدَّس على حساب الأخلاق والمبادئ، وهو ما يهدد تماسك الأسرة ويُفرغ العلاقات الاجتماعية من بعدها الإنساني.
وفي السياق ذاته، ربط بنكيران هذا الانحراف القيمي بالقضية الفلسطينية، معبّراً عن إدانته الشديدة لما يتعرض له الفلسطينيون، ومجدداً دعوته إلى مقاطعة الشركات الداعمة للاحتلال، معتبراً أن نصرة فلسطين واجب أخلاقي وإنساني لا يقبل التبرير أو الصمت.
كما خصّ الشباب بجزء مهم من خطابه، معبّراً عن قلقه من انجراف فئة منهم نحو التفاهة، مقابل إشادته بالشباب المؤمن بالقيم والعدل والإنصاف. وحذّر من أن تجاهل مطالب الشباب وتهميشهم قد يقود إلى توترات اجتماعية، مذكّراً بأن الشباب يظل خزّان الأمل والقدرة على التغيير.
وفي ختام خطابه، دافع بنكيران بقوة عن مركزية الدين في الحياة العامة، معتبراً أن شعار “الله الوطن الملك” يعكس ترتيباً جوهرياً لقيم المجتمع المغربي، حيث يشكل الدين الأساس الذي يقوم عليه حب الوطن والوفاء للمؤسسة الملكية. وأكد أن الإسلام وإمارة المؤمنين شكّلا عبر التاريخ صمام أمان لوحدة المغرب واستقراره، داعياً المغاربة إلى استعادة روحهم التاريخية كأمة ذات رسالة وقيم، لا كجماعة منخرطة في الاستهلاك والتبعية.














