الصحافة _ كندا
في سياق دولي يتسم بإعادة رسم خرائط النفوذ وتحوّل موازين الدعم داخل المؤسسات الأممية، يتحرك المغرب بثبات في واحد من أكثر ملفاته الاستراتيجية حساسية، واضعًا اللمسات الأخيرة على نسخة مُحيّنة من مبادرة الحكم الذاتي، في انسجام مباشر مع القرار الأممي رقم 2797، الذي كرّسه مجلس الأمن الدولي كمرجعية حصرية لأي حل سياسي واقعي للنزاع الإقليمي حول الصحراء.
هذا التحرك المغربي لا يندرج في إطار ردّ فعل ظرفي، بل يعكس قراءة عميقة للّحظة الدولية، واستثمارًا دقيقًا للتحولات التي عرفتها مقاربة الأمم المتحدة للملف، حيث بات واضحًا أن مرحلة “إدارة النزاع” تفسح المجال تدريجيًا لمنطق “التسوية السياسية النهائية”. فالرباط، التي راكمت خلال السنوات الأخيرة مكاسب دبلوماسية وازنة، تبدو اليوم أكثر اقتناعًا بأن الظرفية الحالية تمثل نافذة نادرة لإحداث اختراق حقيقي في مسار ظل مجمّدًا لعقود.
وتشير المعطيات المتداولة إلى أن المغرب دخل فعليًا المرحلة النهائية من بلورة الصيغة المحدّثة لمقترح الحكم الذاتي، وذلك عقب الاجتماع السياسي رفيع المستوى المنعقد في العاشر من نونبر الماضي، بإشراف مستشاري الملك وبمشاركة قيادات الأحزاب الوطنية. اجتماع لم يكن شكليًا، بل حمل دلالات سياسية قوية، عكست إرادة الدولة في توسيع قاعدة الإجماع الداخلي، وتحصين المبادرة سياسيًا ومؤسساتيًا قبل طرحها دوليًا بصيغة أكثر ملاءمة للتحولات الأممية.
وبحسب ما أوردته مجلة Africa Intelligence، فإن تحيين المبادرة يجري في إطار مشاورات دبلوماسية متقدمة مع شركاء وازنين داخل مجلس الأمن، في مقدمتهم فرنسا والمملكة المتحدة، إلى جانب قوى أخرى داعمة للمقترح المغربي. وهو ما يؤشر على أن الصيغة الجديدة لا تُصاغ في معزل عن التوازنات الدولية، بل تراعي بدقة حسابات القوى الكبرى ورهانات الاستقرار الإقليمي.
القرار الأممي 2797، المعتمد في 31 أكتوبر 2025، شكّل منعطفًا نوعيًا في تعاطي المنظمة الأممية مع النزاع، إذ أنهى عمليًا المنطقة الرمادية التي وسمت قرارات سابقة، وأقرّ صراحة بأن مبادرة الحكم الذاتي المغربية تمثل الأساس الجدي والواقعي الوحيد للمفاوضات. وهو تحوّل لا يقتصر على الصياغة القانونية، بل يحمل رسالة سياسية واضحة مفادها أن خيار الاستفتاء لم يعد مطروحًا كحل قابل للتنفيذ.
في هذا السياق، تبرز الولايات المتحدة الأمريكية كلاعب مركزي في المرحلة المقبلة. فواشنطن، التي قادت دينامية القرار 2797، تبدو مستعدة للانتقال من دور الداعم السياسي إلى موقع المُيسّر الفعلي لمسار التفاوض، سواء عبر إعادة تكييف مهام بعثة المينورسو أو من خلال البحث عن آليات بديلة، خاصة في ظل الصعوبات المالية والتنظيمية التي باتت تواجهها البعثة الأممية.
وتكتسب تصريحات السفير الأمريكي الجديد لدى الرباط، ريتشارد دوك بوكان، دلالة خاصة في هذا الإطار، حين عبّر عن طموحه لإحراز تقدم ملموس في ملف الصحراء خلال فترة ولايته، ملمّحًا إلى إمكانية طي صفحة “المينورسو” إذا ما أُطلق مسار تفاوضي جدي. وهي إشارات تعزز فرضية أن واشنطن لا تنوي الاكتفاء بدور الراعي، بل تسعى إلى لعب دور هندسة الحل النهائي.
ووفق السيناريوهات المتداولة، قد يفتح تقديم النسخة المحدّثة من الحكم الذاتي الباب أمام مفاوضات ثلاثية، تقودها الولايات المتحدة، وتضم المغرب والجزائر وجبهة البوليساريو. سيناريو، إن تحقق، سيعيد رسم قواعد التفاوض، ويضع الجزائر أمام اختبار سياسي مباشر، في ظل إصرار الرباط على اعتبارها طرفًا أصيلاً في النزاع، وليس مجرد “دولة مجاورة”.
وتزداد قوة الموقف المغربي مع دخول التركيبة الجديدة لمجلس الأمن حيز التنفيذ ابتداءً من يناير 2026، بانضمام دول غير دائمة العضوية تُعد من الداعمين الصريحين لمغربية الصحراء، وفي مقدمتها البحرين والكونغو الديمقراطية وليبيريا. وهو معطى يعزز الرصيد الدبلوماسي للمغرب داخل المجلس، ويوسّع هامش المناورة السياسية في أفق الدفع نحو حل نهائي.
في المحصلة، يبدو أن ملف الصحراء المغربية دخل مرحلة جديدة، عنوانها الانتقال من إدارة الزمن الأممي إلى استثمار اللحظة الدولية، حيث يراهن المغرب على مقترح حكم ذاتي مُحدّث، مدعوم بميزان قوى أكثر ملاءمة، لإغلاق أحد أقدم النزاعات الإقليمية بمنطق الواقعية والسيادة والاستقرار.














