الصحافة _ كندا
تشهد سوق الحوامض في إسبانيا تحوّلًا واضحًا في خريطة التوريد، مع تسجيل ارتفاع غير مسبوق في واردات البرتقال القادمة من خارج الاتحاد الأوروبي، وفي مقدمتها المغرب وجنوب إفريقيا، ما يعكس تغيرًا عميقًا في توازنات العرض والطلب داخل واحدة من أكثر الأسواق الأوروبية تنافسية.
هذا التطور، الذي يثير قلقًا متزايدًا لدى المزارعين الإسبان، يوازيه في المقابل صعود لافت للمنتوج المغربي، الذي نجح في تعزيز حضوره داخل السوق الإسبانية خلال فترة زمنية وجيزة، مستفيدًا من تحسن الجودة، وانتظام التزويد، والقدرة على الاستجابة لحاجيات السوق في فترات حساسة من الموسم الفلاحي.
وتُظهر معطيات رسمية إسبانية أن واردات البرتقال المغربي سجلت قفزة قوية ما بين يناير وأكتوبر 2025، إذ ارتفعت من حوالي ألفي طن خلال الفترة نفسها من سنة 2024 إلى أزيد من 9500 طن في 2025، أي بزيادة تفوق سبعة أضعاف في ظرف عام واحد. وبفضل هذا الأداء، أصبح المغرب ضمن قائمة كبار موردي البرتقال لإسبانيا، محتلاً المرتبة الخامسة داخل سوق كانت تقليديًا محصورة بين عدد محدود من المزودين.
ولا يُختزل هذا التقدم في الأرقام وحدها، بل يعكس تطورًا تدريجيًا في تنافسية السلسلة الفلاحية المغربية، سواء من حيث الإنتاج أو التوضيب أو احترام المعايير الصحية والتجارية الصارمة التي تفرضها الأسواق الأوروبية، إضافة إلى تطور البنية اللوجستية وقدرة الفاعلين على ضمان استمرارية التصدير.
ويأتي هذا الصعود في سياق أوروبي يتسم بتراجع إنتاج الحوامض، خاصة في إسبانيا، التي انخفض إنتاجها من نحو 8 ملايين طن خلال سنوات سابقة إلى حوالي 5,6 ملايين طن متوقعة في موسم 2025/2026، بفعل عوامل مناخية واقتصادية متراكبة، من بينها الجفاف وارتفاع كلفة الإنتاج.
في المقابل، استفاد المغرب من مجموعة من العوامل التنافسية، أبرزها القرب الجغرافي من السوق الأوروبية، وتنوع المناطق الفلاحية، واتفاقيات الشراكة التي تتيح له ولوجًا تفضيليًا للأسواق، إلى جانب استثمارات فلاحية بدأت تؤتي ثمارها على مستوى الكم والجودة.
ويرى متابعون للقطاع أن الصادرات المغربية مرشحة لمواصلة النمو خلال السنوات المقبلة، خاصة مع دخول مشاريع فلاحية جديدة مرحلة الإنتاج، رغم التحديات المرتبطة بندرة الموارد المائية وتقلبات المناخ.
وفي الجهة المقابلة، يعبّر مزارعون إسبان عن امتعاضهم مما يعتبرونه منافسة غير متكافئة، بسبب اختلاف المعايير البيئية وكلفة اليد العاملة بين الاتحاد الأوروبي ودول الجنوب. غير أن محللين يعتبرون أن هذه الانتقادات تعكس في العمق اعترافًا بقدرة المنتوج المغربي على فرض نفسه من حيث السعر والجودة وتوقيت التزويد.
ويأتي هذا التقدم في إطار دينامية أوسع تعرفها الفلاحة المغربية، تقوم على تنويع الأسواق وتعزيز القيمة المضافة للصادرات، وجعل التصدير رافعة أساسية للنمو الاقتصادي.
ورغم المؤشرات الإيجابية، يظل التحدي الأكبر أمام المغرب هو تحقيق توازن دقيق بين التوسع التصديري وضمان الأمن الغذائي الداخلي واحترام متطلبات الاستدامة البيئية، خاصة في ظل الضغوط المناخية المتزايدة.
غير أن المعطيات الحالية تؤكد أن البرتقال المغربي تجاوز مرحلة الحضور الهامشي داخل السوق الإسبانية، ليصبح فاعلًا مؤثرًا في معادلة الحوامض المتوسطية، ومرشحًا لتعزيز موقعه داخل سلاسل التوريد الأوروبية خلال المرحلة المقبلة.














