الصحافة _ كندا
أعاد اكتشاف بقايا بشرية قديمة بموقع مغارة البقايا البشرية داخل مقلع طوما 1 بالدار البيضاء فتح نقاش علمي عميق حول المراحل الحاسمة من تطور الإنسان واضعا المغرب في قلب واحدة من أكثر القضايا إثارة في تاريخ البشرية وهي مسألة الأصل والتفرع الأول للسلالات الإنسانية. فالأمر لا يتعلق بمجرد لقى أثرية جديدة بل بمعطيات علمية قد تعيد ترتيب السردية العالمية لتطور الإنسان.
الإعلان عن هذا الاكتشاف جرى بالرباط تزامنا مع نشر دراسة مفصلة في عدد يناير من مجلة Nature إحدى أرفع الدوريات العلمية في العالم وهو ما يمنح النتائج وزنا علميا استثنائيا ويؤكد أن ما توصل إليه فريق البحث الدولي يتجاوز الإطار المحلي ليهم الإنسانية جمعاء. ويضم هذا الفريق باحثين من المعهد الوطني لعلوم الآثار والتراث إلى جانب مؤسسات أكاديمية مرموقة من فرنسا وألمانيا وإيطاليا.
وتكمن قوة هذا الاكتشاف في طبيعة البقايا المكتشفة التي تشمل عناصر تشريحية أساسية من فكوك وأسنان وعظام أطراف تعود إلى فترة زمنية تمتد ما بين 700 ألف و773 ألف سنة وهي مرحلة كانت إلى وقت قريب من أكثر الفترات غموضا في سجل تطور الإنسان. هذه المعطيات الزمنية تجعل من موقع الدار البيضاء شاهدا مباشرا على لحظة مفصلية سبقت ظهور الإنسان العاقل بوقت طويل.
ويبرز التحليل العلمي الذي قدمه الباحث عبد الرحيم محب أن هذه البقايا تجمع بين خصائص بدائية مرتبطة بالإنسان منتصب القامة وسمات أكثر تطورا تقارب الإنسان العاقل المبكر وهو ما يمنحها وضعية علمية فريدة باعتبارها حلقة انتقالية محتملة بين أشكال بشرية كبرى. هذا المعطى بالذات هو ما يمنح الاكتشاف بعده الثوري لأنه ينسجم زمنيا مع التقديرات الجينية التي تحدد لحظة انفصال السلالات البشرية الإفريقية عن نظيراتها الأوراسية التي ستقود لاحقا إلى النياندرتال والدينيسوفان.
من هذا المنظور لم يعد شمال إفريقيا مجرد ممر أو هامش في تاريخ التطور البشري بل فضاء مركزيا لصياغة السلالة الإنسانية ذاتها. فالمعطيات الجديدة تجعل من إنسان الدار البيضاء مرشحا علميا جديا ليكون السلف المشترك لهذه السلالات وهو ما يصحح فرضيات سادت لعقود وكانت تميل إلى حصر هذه الأدوار في مناطق أخرى من العالم.
وقد أكد محمد المهدي بنسعيد وزير الشباب والثقافة والتواصل أن هذا الاكتشاف ثمرة عمل علمي تراكمي طويل قاده باحثون مغاربة في إطار شراكات دولية متوازنة مبرزا أن نشره في مجلة Nature يعكس ليس فقط قيمته العلمية بل أيضا نضج البحث الأثري المغربي وقدرته على الإسهام في إنتاج المعرفة العالمية لا استهلاكها فقط.
ويأتي هذا الاكتشاف ليعزز سلسلة من النتائج الكبرى التي راكمها المغرب خلال العقود الأخيرة وعلى رأسها اكتشاف أقدم إنسان عاقل بموقع جبل إيغود ما يؤكد أن التراب المغربي يشكل أحد أهم المختبرات الطبيعية لفهم الجذور العميقة للإنسانية.
في المحصلة لا يضيف اكتشاف مقلع طوما 1 صفحة جديدة إلى سجل علم الآثار فقط بل يعيد رسم خريطة تطور الإنسان ويكرس المغرب كفاعل علمي مركزي في واحد من أعقد الأسئلة التي شغلت البشرية وهو سؤال من نحن ومن أين أتينا.














