أنا الخائن، أنا العميل

2 أبريل 2025
أنا الخائن، أنا العميل

الصحافة _ بقلم: فيصل مرجاني

في زمن الارتباك الفكري والتصحر السياسي، حيث تتحول الوطنية إلى شعار فارغ يُفرض وفق الولاءات الأيديولوجية، يصبح التفكير المستقل تهمة، والواقعية السياسية جريمة، والنقاش العقلاني خيانة. لم يعد الانتماء للوطن يُقاس بالإسهام في تقدمه، بل بمدى الانصياع للأعراف الخطابية التي تُمليها نخب عاجزة عن استيعاب تحولات العالم. في هذا المشهد العبثي، يُجرَّد العقل من قدرته على التحليل، ويُفرض عليه أن يكرر شعارات أكل عليها الدهر دون مساءلة أو تمحيص.

تُطلَق التهم جزافًا، تُنصب المشانق الخطابية لكل من يجرؤ على إعادة ترتيب الأولويات الوطنية، ويصبح كل من يتحدث بلسان المصلحة العليا للوطن دون خضوع لمقتضيات الشعبوية مشبوهًا، متهمًا، منبوذًا. يطالبونك بولاء مزدوج: للوطن من جهة، ولإرث أيديولوجي صُنِع في أروقة لا علاقة لها بمصالح بلدك من جهة أخرى. وحين ترفض، تصبح الخائن، العميل، المارق، الخارج عن الملّة السياسية.

أنا الخائن؟

لكن، لمن أنا خائن؟ لأوهام مقدسة لم أصنعها؟ لقوالب فكرية لم أتبنَّها؟ لعقائد سياسية لم أخترها؟ هل الخيانة تعني أنني أرفض أن أكون مجرد امتداد لعقليات بالية تكرّس التبعية الفكرية؟ هل الخيانة تعني أنني أرفض أن يُصاغ انتمائي الوطني وفق مقاييس لا علاقة لها بتاريخ بلدي ولا بمستقبله؟ أنا خائن لأنني أرفض أن يكون وطني مجرد ساحة لتصفية حسابات الآخرين، لأنني أعتبر القرار المغربي سياديًا، لا امتدادًا لالتزامات أيديولوجية مُستوردة، لأنني أؤمن أن الوطن ليس بطاقة انتماء رمزية، بل مشروع سياسي حضاري يُبنى بالعقل لا بالهتافات. أنا خائن لأنني أقدّس الحقيقة لا الأوهام، ولأنني أدرك أن الانغلاق على المقولات الشعبوية لا يصنع مجدًا، بل يكرّس العجز.

أنا خائن لأنني أفهم أن التاريخ لا تحركه العواطف، بل تُشكّله المصالح، وتصوغه القوة، وتحكمه المعادلات. أنا خائن لأنني أؤمن أن العلاقات الدولية تُبنى على المصالح لا على المشاعر، ولأنني أرى أن الخطاب السياسي يجب أن يكون امتدادًا لواقع الدولة، لا انعكاسًا لنزوات الجماهير الموجّهة. هل الوطنية هي أن ندفن رؤوسنا في الرمال، أم أن نُدرك كيف يشتغل العالم ونتموضع داخله وفق رؤية عقلانية؟

أنا العميل؟

لكن، لمن أنا عميل؟ هل أنا عميل لأنني أدافع عن استقلالية القرار الوطني ضد إملاءات المزايدات الأيديولوجية؟ لأنني أؤمن أن الدول التي تُسيّرها العواطف لا تصنع إلا الهزائم؟ لأنني أرفض أن يُختزل مفهوم الولاء في الخطابات المعلّبة الجاهزة التي لم تُنتج سوى الفشل؟ أنا عميل لأنني أرفض أن يتحول وطني إلى ساحة استقطاب أيديولوجي، ولأنني أؤمن أن السيادة الحقيقية لا تتحقق بالشعارات، بل بالقرارات الجريئة.

هل أنا عميل لأنني أؤمن أن المغرب ليس مجرد كائن رمزي في لعبة الأمم، بل قوة فاعلة يجب أن تُمارس سيادتها دون خوف أو تردد؟ أنا عميل لأنني أرفض أن يكون وطني رهينة مصالح لا تخصه، لأنني أؤمن أن بناء التحالفات الاستراتيجية ليس جريمة سياسية، بل ضرورة وجودية، ولأنني أعي أن الذكاء السياسي لا يكمن في التمترس داخل خطابات خشبية، بل في القدرة على التأقلم وإعادة تشكيل المواقع. أنا عميل لأنني أقدّس المغرب، لا القوالب الجاهزة، ولأنني أضع الوطن فوق كل اعتبار، لا فوق موائد المزايدات والمساومات. لأنني أؤمن أن احترام الدول يُبنى على قوتها، لا على قدرتها على إرضاء أصوات لا تفهم من السياسة إلا الشعارات.

الخيانة الحقيقية هي أن تُباع سيادة المغرب في سوق الأيديولوجيات المهترئة. الخيانة الحقيقية هي أن يتم تحنيط العقل في قوالب تقليدية، تمنعه من إدراك تعقيدات العصر. الخيانة الحقيقية هي أن يُصبح المغرب مجرد تابع، لا فاعل، في معادلات القوة. أما العمالة الحقيقية، فهي العجز عن ممارسة السياسة كفن للمصلحة الوطنية. العمالة الحقيقية هي أن تصبح الشعارات أهم من الاستراتيجيات، والهتافات أقوى من الحسابات. العمالة الحقيقية هي أن يُفرض على المغاربة أن يكونوا جزءًا من معارك لم يختاروها، باسم الولاء لخطابات لا تمثلهم.

إذا كان الدفاع عن القرار المغربي خيانة، فأنا الخائن. إذا كان رفض الاصطفافات الأيديولوجية عمالة، فأنا العميل. أما الحقيقة، فهي أن الخيانة الحقيقية ليست في التفكير الحر، بل في العبودية الطوعية، والعمالة الحقيقية ليست في الولاء للوطن، بل في الارتهان لخطابات لا تنتمي إليه.

 

نحن نستخدم ملفات تعريف الارتباط لتخصيص المحتوى والإعلانات، وذلك لتوفير ميزات الشبكات الاجتماعية وتحليل الزيارات الواردة إلينا. إضافةً إلى ذلك، فنحن نشارك المعلومات حول استخدامك لموقعنا مع شركائنا من الشبكات الاجتماعية وشركاء الإعلانات وتحليل البيانات الذين يمكنهم إضافة هذه المعلومات إلى معلومات أخرى تقدمها لهم أو معلومات أخرى يحصلون عليها من استخدامك لخدماتهم.

اطّلع على التفاصيل اقرأ أكثر

موافق