أمطار بلا رحمة وأسعار بلا سقف.. حين تتحول نعمة الغيث إلى عبء على موائد المغاربة

6 يناير 2026
أمطار بلا رحمة وأسعار بلا سقف.. حين تتحول نعمة الغيث إلى عبء على موائد المغاربة

الصحافة _ كندا

كان من المفترض أن تحمل الأسابيع الأخيرة إشارات انفراج للأسواق، وأن تترجم التساقطات المطرية التي عرفتها عدة مناطق فلاحية إلى وفرة في العرض وتراجع نسبي في الأسعار. غير أن ما حدث على أرض الواقع سار في الاتجاه المعاكس تمامًا، إذ فوجئ المستهلك المغربي بارتفاع جديد في أسعار الخضر الأساسية، في مفارقة لافتة جعلت الأمطار، بدل أن تخفف الضغط، تزيد من وطأته على القدرة الشرائية.

التقلبات الجوية الحادة، التي جمعت بين موجات برد قوية وتساقطات مطرية غزيرة، خلّفت آثارًا مباشرة على عدد من الزراعات الموسمية، خاصة الخضر الأكثر حضورًا في المائدة اليومية. الضرر لم يكن شاملاً، لكنه كان كافيًا لإرباك سلاسل الإنتاج، سواء من حيث وتيرة النمو أو من حيث الجني والنقل والتسويق. ومع أول اختلال في العرض، تحركت الأسعار بسرعة، وكأن السوق كان ينتظر ذريعة جديدة لرفعها.

في مناطق إنتاج رئيسية، مثل سوس ماسة ومحيط اشتوكة، التي تُعد القلب النابض لإنتاج الخضر، لم تتأخر انعكاسات الوضع المناخي في الظهور. الأسعار في أسواق الجملة والتقسيط بدأت تسجل مستويات غير معتادة مقارنة بالفترة نفسها من السنوات الماضية، رغم أن هذه المرحلة من الموسم غالبًا ما ترتبط بالوفرة. هذا التناقض يزداد حدّة في المدن الكبرى، حيث تتحول أي اضطرابات محدودة في الإنتاج إلى زيادات ملموسة يدفع ثمنها المستهلك النهائي.

مهنيون في القطاع لا ينفون أثر البرد والأمطار، لكنهم يضعونه ضمن حلقة أوسع من الأعطاب المتراكمة. فجزء كبير من الإنتاج يواصل التوجه نحو التصدير، بدافع الحفاظ على المداخيل من العملة الصعبة، دون وجود آليات توازن تضمن أولوية السوق الداخلية في فترات التوتر. وفي هذا السياق، تصبح كلفة النقل والطاقة، والخسائر المناخية، مبررات جاهزة تُستعمل لتسويغ أي ارتفاع، في غياب رقابة فعالة على مسارات التوزيع وهوامش الربح.

الضغط لم يقتصر على الخضر وحدها، إذ طالت التداعيات أيضًا زراعات الحمضيات، خاصة في مناطق الغرب، حيث أدت الأمطار الغزيرة إلى تساقط جزء من المحصول وتعقيد عمليات الجني، بفعل صعوبة الولوج إلى الحقول ونقص اليد العاملة. أما البطاطس، التي تشكل عنصرًا أساسيا في الاستهلاك اليومي، فقد دخلت بدورها دائرة القلق، مع تحذيرات من استمرار الضغط على أسعارها إذا استمر الوضع على ما هو عليه.

ومع اقتراب استئناف نسق التصدير بعد عطلة رأس السنة، يتوقع فاعلون في السوق استمرار حالة التوتر، خاصة مع ارتفاع الطلب الداخلي. بعضهم يعلّق آماله على تحسن الأحوال الجوية خلال الأسابيع المقبلة لرفع الإنتاج، غير أن هذا الرهان يبقى محفوفًا بعدم اليقين، ولا يعفي الجهات المعنية من مسؤولية التدخل لضبط السوق وحماية المستهلك.

في المحصلة، كشفت هذه الموجة المناخية مرة أخرى هشاشة تدبير القطاع الفلاحي، وعجز السياسات العمومية عن تحقيق توازن فعلي بين منطق التصدير ومتطلبات الأمن الغذائي الداخلي. وبينما يُطلب من المواطن التأقلم مع تقلبات الطقس وارتباك السوق في آن واحد، يظل السؤال مطروحًا حول موقع المستهلك في معادلة فلاحية يبدو أنها ما زالت تميل، كلما اشتد الضغط، بعيدًا عن مائدته.

نحن نستخدم ملفات تعريف الارتباط لتخصيص المحتوى والإعلانات، وذلك لتوفير ميزات الشبكات الاجتماعية وتحليل الزيارات الواردة إلينا. إضافةً إلى ذلك، فنحن نشارك المعلومات حول استخدامك لموقعنا مع شركائنا من الشبكات الاجتماعية وشركاء الإعلانات وتحليل البيانات الذين يمكنهم إضافة هذه المعلومات إلى معلومات أخرى تقدمها لهم أو معلومات أخرى يحصلون عليها من استخدامك لخدماتهم.

اطّلع على التفاصيل اقرأ أكثر

موافق