الصحافة _ كندا
ما يبرز اليوم في سلوك رئيس الوزراء الكندي لا يمكن اختزاله في تعديل لغوي أو تبديل نبرة، بل يعكس تحوّلًا فكريًا وأخلاقيًا عميقًا، تشكّل تحت ضغط عالم تهاوت فجأة مسلّماته الكبرى. فبعد أن ظلّت كندا طويلًا مندمجة ذهنيًا في بنية النظام الليبرالي الغربي، بدأت، عبر خطاب قيادتها، تدرك أن الأسس التي قام عليها هذا النظام لم تعد قادرة على الإسناد. هذا الإدراك لا يُطرح بوصفه ردّ فعل عابر، بل كتوصيف لانفصال تاريخي واضح المعالم.
انحسار الهيمنة الأميركية، كما يُنظر إليه اليوم في أوتاوا، لا يُفهم باعتباره تراجعًا نسبيًا في القوة أو إعادة توزيع هادئة للنفوذ، بل باعتباره نهاية لعقد غير معلن كان يربط القوة بالمسؤولية. فقد اقترنت الهيمنة الأميركية لعقود بتأمين منافع عامة عالمية: أمن الملاحة، استقرار النظام المالي، قابلية التنبؤ الاستراتيجي، وانفتاح التجارة. غير أن هذا التوازن انقلب، وتحولت الترابطات الاقتصادية من عامل استقرار إلى أداة ضغط، وأضحت الرسوم والعقوبات والقيود المالية والتكنولوجية وسائل ضبط سياسي.
ضمن هذا المناخ، اكتسب الخطاب الكندي عمقًا وجدية غير مسبوقين. لم يعد رئيس الحكومة يتحدث من هامش مريح يحميه نظام يصنعه الآخرون، بل من موقع دولة واعية بهشاشتها البنيوية في عالم باتت فيه القوة المهيمنة تتعامل مع التفكك كخيار، ومع الإكراه الاقتصادي كقاعدة. وتكمن قوة هذا الخطاب في رفضه للتلطيف: فالمسألة ليست انتقالًا منظّمًا، بل لحظة تصدّع تبقى فيها القواعد قائمة شكليًا فيما يُفرغ معناها من الداخل.
الضغوط والتهديدات الأميركية أدّت دور الكاشف لا المحفّز على الطاعة. إذ عرّت طبيعة علاقة غير متكافئة لم تعد فيها الصداقة السياسية درعًا يحمي من سلاح الاقتصاد. من هنا جاء خطاب رئيس الوزراء الكندي أكثر صلابة وتجريدًا، بلا رغبة في التصعيد، لكن أيضًا بلا احتماء بلغة الودّ التقليدية. إنه خطاب يقبل خيبة الأمل، ويقرّ بضرورة إعادة التفكير في معنى السيادة داخل منظومة تحالفات مضطربة.
تندرج الزيارة إلى الصين في هذا الإطار الذهني بقدر ما تنتمي إلى الحسابات الدبلوماسية. فهي لا تعبير عن انقلاب أيديولوجي، ولا عن سذاجة براغماتية، بل عن قراءة باردة لواقع دولي تُسخَّر فيه العولمة لخدمة الصراع. إن تجاهل بكين في مثل هذا السياق لا يعني سوى الارتهان لطرف واحد، وما يستتبعه ذلك من هشاشة مضاعفة. ولا يتوهم رئيس الحكومة الكندي نظامًا متعدد الأقطاب متناغمًا، بل يقرّ بأن قدرًا من الاستقلال لم يعد ممكنًا إلا عبر تنويع القنوات السياسية والتجارية والمالية.
اللافت في هذا المسار هو الانسجام بين التشخيص الكلي والموقف الوطني. فبعيدًا عن خطاب الشكوى أو الدفاع، يقوم الطرح على مطلب أخلاقي بسيط: تسمية الوقائع كما هي. حين تصبح التجارة أداة صراع، وتُستبدل القواعد بالقوة، وتُخضع الأمن الجماعي لحسابات داخلية ضيقة، لا بد للغة الدبلوماسية أن تتغير. وفي هذا المنظور، لا تظهر كندا كضحية، بل كفاعل واعٍ في نظام يزداد قسوة.
هذه الصراحة تمنح خطاب رئيس الوزراء الكندي وزنًا نادرًا في المشهد الغربي الراهن. فهي تقطع مع السرديات المطمئنة التي ما زالت تتحدث عن تكيّف تدريجي أو تنافس محدود، وتقرّ بأن العالم يدخل مرحلة أشد خشونة، حيث لا تُلغى الأخلاق الدولية، بل تُدافع عنها بلا أوهام. فالاستقرار لم يعد معطى جاهزًا، بل هدفًا سياسيًا يتطلب قرارات صعبة وثمنًا واضحًا.
وهكذا يتبلور تحوّل يحمل بعدًا رمزيًا واستراتيجيًا في آن واحد. إذ يجسّد رئيس الحكومة الكندي انتقالًا من ثقافة سياسية قائمة على الثقة التلقائية في النظام القائم، إلى أخلاقيات مسؤولية تقوم على اليقظة والاستباق. وليس في ذلك تراجع أو قطيعة، بل نضج تاريخي يعلن دخول كندا مرحلة يصبح فيها الوضوح التحليلي شرطًا للبقاء السياسي، ويغدو ثقل النبرة انعكاسًا مباشرًا لثقل اللحظة.














