الصحافة _ كندا
لم يهبط علينا سيل الهراء الذي يملأ المنصات فجأة، بل كان نتيجة مسار طويل نسجته أصوات اعتادت العبث والتسفيه، وجعلت من التشكيك في كل شيء خطا تحريريا مدرا للدخل والوجاهة. سنوات من التهريج الممنهج صنعت جمهورا مشوشا، ينظر إلى المؤسسات بعيون الريبة والشك، بعدما تغذت ذاكرته على النكت البليدة والشائعات الحقيرة.
كيف يمكن لمن ساهم في تسميم الأجواء الوطنية، وسخر من جدية الدولة، وعبث بهيبة المؤسسات، أن يلبس اليوم جبة المدافع عنها؟ إنهم أنفسهم الذين روّجوا الوهم، وأرادوا للمغرب أن يبدو بلا مؤسسات، بلا استقرار، بلا ثقة. واليوم، وقد وجدوا أن البلد يقف صامدا، يحاولون تقديم أنفسهم كحماة للوطن، مع أنهم كانوا أول من طعن في صورته.
الأدهى أن جزءا من هذه الأصوات لا يتحرك إلا بإملاءات نفسية مريضة. زمرة صغيرة من الذين حلموا بالسلطة والجاه، أو اقتربوا قليلا ثم أقصوا، يظنون أن لهم الحق في رهن المغرب وملايين المغاربة لخيباتهم وهواجسهم. يتوهمون أن نزواتهم الشخصية يمكن أن تتحول إلى برنامج سياسي أو مشروع وطني.
لكن المغرب أكبر من نزواتهم جميعا. هذا الوطن لم يبنَ على النكتة ولا على الخطاب السوقي ولا على تصفية الحسابات الصغيرة، بل صمد لأن فيه مؤسسات شرعية متجذرة، وعرشا ضاربا في عمق التاريخ، وشعبا يعرف متى يميز بين النقد الصادق والعبث الهدام.
إن مسؤولية اللحظة تفرض أن نقولها بوضوح: العبث السياسي والإعلامي ليس حرية تعبير، بل تواطؤ مع كل من يريد إضعاف الثقة وزعزعة الاستقرار. فالوطن ليس مسرحا لتفريغ العقد النفسية، ولا ساحة لتصفية الحسابات الشخصية. ومن أراد أن يخدمه حقا، فليتخل عن خطاب التشكيك ويصطف في جبهة البناء، حيث لا مكان إلا للعقلاء الذين يرون في المغرب وطنا لا يُباع ولا يُرهن.