الصحافة _ الرباط
في عمق الجنوب الشرقي للمملكة، وتحديداً بمنطقة إميضر، تتفاقم أزمة مائية صامتة تهدد سبل العيش وكرامة السكان، في ظل استنزاف مفرط للموارد المائية لصالح أنشطة استخراج الفضة، التي تحولت إلى لعنة بيئية واجتماعية، بحسب ما كشفه تقرير حديث صادر عن المعهد المغربي لتحليل السياسات تحت عنوان: “الانتقال المائي العادل في المغرب”.
التقرير يرسم صورة قاتمة عن واقع المياه في المنطقة، متهماً شركة المعادن بإميضر (SMI) بالاستهلاك المفرط للمياه، حيث تسحب يومياً ما يفوق 1555 مترًا مكعبًا من المياه الجوفية، أي ما يزيد بـ12 مرة عن إجمالي ما يستهلكه سكان القرية مجتمعين. هذا “الاستيلاء المنجمي”، كما وصفه التقرير، أدى إلى جفاف الخطارات التقليدية والآبار الضحلة التي ظلت لقرون شريان الحياة لسكان المنطقة.
المأساة البيئية لم تبدأ اليوم. فمنذ أن باشرت الشركة عملياتها في 1969، والندرة المائية تتسارع، لكن التحول الكبير حدث في 2004، حين شرعت الشركة في استغلال آبار جديدة بجبل عليبان. منذ تلك اللحظة، بدأت المياه تنحسر، وجفّت الخطارات، التي كانت تُعرف بصمودها حتى خلال أقسى فترات الجفاف.
التقرير لم يكتف بتوصيف الأزمة من جانبها المائي، بل سلط الضوء على الأضرار البيئية التي ترتبت على أنشطة المنجم، مشيراً إلى حوادث تلوث خطيرة، أبرزها تسربات السيانيد التي تسببت سنة 1987 في نفوق عشرات رؤوس الماشية، وهو سيناريو تكرر في السنوات الأخيرة، دون أي تدخل حاسم.
وعلى المستوى الاجتماعي، أشار التقرير إلى أن شركة SMI راكمت أرباحاً ضخمة من استغلال الفضة، لكنها لم تترك وراءها أي أثر تنموي ملموس، ما دفع سكان إميضر منذ 2011 إلى تنظيم اعتصامات على جبل عليبان، مطالبين بإصلاحات بيئية، ومناصب شغل، وبنيات تحتية تحفظ كرامة العيش.
الاحتجاجات استمرت لثماني سنوات كاملة، في واحدة من أطول حركات الاعتصام البيئي في المغرب، قبل أن تُقابل بموجة من التضييق والاعتقالات، خصوصاً ابتداءً من سنة 2014، حين بدأت السلطات تتبنى مقاربة أمنية بدل الحوار، ما زاد من تعميق الشعور بالحيف لدى الساكنة المحلية.
ورغم بعض المبادرات المتفرقة من السلطات المحلية، كتقديم عروض ببناء قنوات للري وتوفير مناصب موسمية، إلا أن التقرير أكد أن تلك الوعود لم ترقَ إلى مستوى انتظارات السكان، ما فاقم من فقدان الثقة، خاصة في ظل استمرار تدهور الوضع البيئي، وجفاف الأنهار، وتراجع النشاط الزراعي، وهو ما دفع بعض المزارعين إلى مغادرة أراضيهم قسراً.
التقرير دق ناقوس الخطر، مشدداً على أن ما يحدث في إميضر ليس مجرد أزمة بيئية، بل صراع على الحقوق الأساسية في الماء والحياة والكرامة. ودعا إلى وضع حد لنهج الاستنزاف، واعتماد سياسات مائية عادلة تُعيد الاعتبار للسكان المحليين، وتضع مصلحة الإنسان فوق أرباح المعادن.
فهل ستستمر إميضر في دفع ثمن “فضة الموت البطيء”؟ أم أن الدولة ستتحرك أخيراً لإنصاف قرية تُعاني بصمت منذ عقود؟